• إسلاميّو فلسطين ومصر لم يكونوا بالمستوى المطلوب من النباهة السياسية

• سلطة الأمر الواقع عبر الأجهزة الأمنية أبعد ما تكون عن الحكم الرشيد
• الغنوشي أقرب إلى نهج «العدالة والتنمية» بنموذجيه المغربي والتركي


■هل ترى «حماس» أن تجربتها في الحكم كانت الأُولى «إخوانياً» في السنوات العشر الأخيرة مقارنة بدول عربية عدة؟
لا أعتقد ذلك، فلقد وصل إسلاميون كثيرون ينتسبون إلى فكر «الإخوان» إلى مشهد الحكم والسياسة في أكثر من بلد عربي، مثل «جبهة الإنقاذ الإسلامية» في السودان، وأيضاً «حزب الإصلاح» في اليمن، وكذلك في المغرب، حيث يتربع «العدالة والتنمية» على سدة الحكم. أيضاً هناك أحزاب إسلامية ذات خلفية فكرية إخوانية في الكويت والأردن والبحرين والعراق وموريتانيا والجزائر وتونس شاركت في ائتلافات حكومية مع أحزاب أخرى.
لكن، لا شك في أن «حماس» تنظر إلى تجربتها السياسية على أنها فريدة من نوعها؛ فلقد شكل فوزها في الانتخابات التشريعية في 2006 تسونامي ارتعد منه عدد من دول المنطقة، وهي حالة مشابهة لما حدث بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والخوف من تصدير الثورة. «حماس» لم تكن الأولى في الولوج إلى مشهد الحكم والسياسية، ولكنها كانت ترى في نفسها كحركة وطنية، أنها تملك القوة لتحقيق مشروعها الإسلامي.

■لماذا لم تتجنّب «الإخوان» الأمّ ما فعلته «حماس»، لجهة الدفع بمرشح رئاسي والإمساك بزمام الأمور كلها في مرحلة انتقالية وصفت بأنها حساسة؟
بعد تجربة «حماس» المتعثرة في الحكم، وإخفاق تجربة «الإخوان» في مصر، تبين أن الإسلاميين لم يكونوا بالمستوى المطلوب من النباهة السياسية. كان من الأجدى منذ البداية البحث عن شركاء وطنيين عند تشكيل الحكومة، فالشارع ليس محسوماً لهم؛ هناك تيارات يسارية وليبرالية وقومية وجماعات سلفية لا تتفق أو تلتقي مع مشروعهم السياسي ونظرتهم في الإصلاح والتغيير. وكون الإسلاميين المحسوبين على تيار «الإخوان» نالوا حظاً وافراً من الأصوات، فهذا ليس معناه أن الشعب قد دانت قواه ومؤسساته لرؤيتهم.
كان الأوْلى بالإخوان في «حماس» الحرص على الشراكة مع الآخرين، وإظهار حالة إجماع وطني وإسلامي قادرة على مواجهة الاحتلال، وطمأنة الجهات الإقليمية والدولية. هذه الحالة، للأسف، تنعكس على ما جرى في مصر، حيث لم يستفد «الإخوان» من الحركة، ولم يتعلموا من أخطائها.

■بينما تقول «حماس» إن التآمر عليها قوّض نجاح تجربتها، فهل هذا يعني أن إخفاقاً ذاتياً أو سوء تقدير أطاح الحكم في مصر وشتّت الجماعة في الأردن، وخفّض نفوذها في باقي الدول؟
لا شك في أن فوز «حماس» الكبير في الانتخابات، وعجزها عن التكيّف مع القوى الأخرى، أسهما في توسعة دائرة الاستهداف والتآمر عليها، كذلك فإن حالة الحصار الإسرائيلي الذي فرض شلت قدراتها في الحكم، ثم كان الانقسام الضربة القاضية لإمكاناتها في تقديم مشهد ناجح في الحكم. ومع تعثر كل محاولات الإصلاح وجمع الشمل بين «فتح» و«حماس»، لم تعد هناك تجربة حكم يمكن تقييمها، بل سلطة الأمر الواقع في كل من الضفة وغزة، وهي سلطة فرضت عبر أجهزتها الأمنية حالة سياسية أبعد ما تكون عن الحكم الرشيد.
جماعة «الإخوان» اليوم في دولنا العربية هم بحاجة إلى مراجعات جادة في فكرهم السياسي وعلاقاتهم الإقليمية والدولية. فمن ناحية، هناك حالات من الانقسام تشهدها التنظيمات الإخوانية في كل من الأردن والجزائر ومصر، ومن ناحية أخرى اتسع حجم الاتهامات.

كان ابتعاد «حماس» عن سوريا هو الملف الأشدّ صعوبة عليها

■عندما ساد شعور بأن المرحلة المقبلة في المنطقة هي «مرحلة الإخوان»، هل بسبب ذلك خفّضت «حماس» مستوى تحالفاتها القديمة، أي سوريا وإيران؟
لا يختلف اثنان على أنه مع صعود «الإخوان» في مصر ساد شعور لدى «حماس» بأن الزمن المقبل هو «زمن الإخوان»، وعليه أخذت تصرفات الحركة في علاقاتها السياسية تتحرك في هذا الاتجاه، وأعادت هيكلة تلك العلاقات في السياق الذي ينسجم مع الخريطة الجديدة. ومن باب الأمانة والتوضيح أن قراءة الحركة لم تتغير كثيراً لجهة أن القضية الفلسطينية هي قضية الأمة وتتطلب جهد الجميع، وأن علينا أن نحافظ في علاقاتنا على مسافة متساوية من كل عواصمنا العربية والإسلامية.
ربما كان ابتعاد «حماس» عن سوريا هو الملف الأشد صعوبة عليها، وذلك بحكم ارتباط هذا الملف بكل من إيران وحزب الله، والأخيران تجمعهما مع الحركة مسيرة تاريخية ومواقف نصرة ودعم طويلة. شعر الجميع أنها تأثرت سلبياً وكانت خسارة حقيقية للحركة، لأنها فُهمت كأنها تحولات في سياق التحالفات التي طرأت بعد الربيع العربي أو استجدت بعد انتكاسته.

■ماذا تغير في طريقة تعاطي الحركة بعد النكسة التي أصابت التجربة الإخوانية: القفز عن «رابعة» وشعاراتها، والعودة إلى الحديث مع النظام المصري، والقبول باللعب مجدداً مع الأنظمة العربية... هل انتهى زمن الأحلام والطموحات؟
إن السياسة، للأسف، هي درجة احتراق الأيديولوجيا، وهذه هي إحدى حقائق واقعنا المعيش. بالتأكيد، لقد تغيرت معادلات سياسية كثيرة في المنطقة بعد انتكاسة الربيع العربي، وخروج «الإخوان» في مصر من مشهد الحكم والسياسة. شعرت «حماس» أنها خسرت حليفاً استراتيجياً لها، ثمَّ بدأت البحث عن سياسة جديدة تحفظ بها وجودها، وتكسب بها القبول لدى دول المنطقة.
نعم، الدولة المصرية مهمة لنا في «حماس» ولقضيتنا الفلسطينية، وشعرنا أن من الواجب تقديم كل ما يلزم للحفاظ على العلاقة التاريخية مع مصر التي احتضنت القضية الفلسطينية إسلامياً من خلال أدبيات «الإخوان» وتضحياتهم على أرض فلسطين في عهد الإمام حسن البنا، كما أن مصر جمال عبد الناصر هي من حملت القضية الفلسطينية، وعبّأت أمتنا العربية بواجبها القومي تجاهها، وخاضت من أجلها حروباً عسكرية طاحنة مع إسرائيل.
إذا دهمك الموج، فإما أن تكون قوياً وتمتطيه، وإما أن يأخذك تحت أجنحته ويطويك. ليس هناك اليوم أمامنا ترف في الخيارات، والتعاطي مع الواقع بفقه الضرورة وبحكمة التخذيل هو منهج التدبير في السياسة، وسيد الأحكام.

■يعني، يمكن وصف ما يجري بأنه مناورة خاضعة لمتطلبات المرحلة، أم هو نتاج مراجعات داخلية؟
«حماس» لم تتنكر لفكرها الإخواني، بل هي تدين لأدبيات «الإخوان» بكل ما هي عليه، ولكنها أوضحت أنها مستقلة إدارياً وتنظيمياً، كما أنها سياسياً ليس تحت عباءة أحد. لا شك أن الحركة لم تتنكر لفضل «الإخوان» تاريخياً، خاصة المصرية التي لها كامل الفضل في تحريك وعي الأمة بالقضية الفلسطينية، ووضعها على رأس أولويات شعوبنا، بل تحريكها لتأخذ القضية على مدار أكثر من نصف قرن اهتمامات الرسميات العربية، والدعم لـ«منظمة التحرير» باعتبارها الممثل الشرعي للشعب والقضية.
اليوم، بعد انتكاس الربيع العربي والتعقيدات السياسية التي غدت عليها العلاقات العربية ــ العربية، والصراعات الداخلية مع التيارات الإسلامية الحزبية التي يحمل بعضها عناوين إخوانية، اقتضت الضرورة إظهار فكّ العلاقة في ما بين بعض هذه التيارات الإسلامية للحفاظ على «شعرة معاوية» وخطوط التواصل والجوار الإقليمي بين الدول التي لها مواقف داعمة للتيار الإسلامي الذي يمثله «الإخوان»، أو التي لها معه خلاف وتتوجس من ارتباطاته الإقليمية والدولية.
باختصار: هذه الإعلانات التي يطلقها البعض حول فك الارتباط هي في الحقيقة لتوضيح العلاقة، وهي في جوهرها ليست أكثر من تاريخية وعاطفية. أما المواقف والقرارات الخاصة بالحالة التنظيمية والسياسية، فيكون اتخاذها مستقلاً، ووفق ما ترتئيه المجالس الشورية للحركة في كل بلد على حدة.
نعم، هناك مواقف تنتظرها الحركة من إخوانها في البلدان العربية والإسلامية الأخرى، ولكنها لا تتجاوز طلب الدعم المعنوي والتعاطف الشعبي، ولا تستدعي أطراً تنظيمية بمرجعية شورية واحدة. إن التنظيمات الإسلامية التي قامت على خلفيات إخوانية واحدة قبل ثمانين عاماً تنامت، وصارت لها مرجعياتها الخاصة في بلدانها، ومع تداخل السياسة وتعقيدات الحالة الإسلامية، فإن المتطلبات الأمنية اقتضت ترسيم العلاقة بين الإسلاميين بوضوح.

■هل تجربة «حماس» تجربة ناجحة في الحكم، وستدفعها إلى مواصلة المشاركة السياسية في ظل وجود الاحتلال ومعرفة الحركة حدود تحركها السياسي في الإقليم؟
قد يكون من الصعب الحديث عن نجاح أو فشل للتجربة، لأنها لم تزل على المحك. من الواضح أن هناك أكثر من جهة تتربص بالحركة ولا تريد التمكين لها، كذلك فإن أداء الحركة لم يكن أيضاً بالشكل الذي انتظرته الأغلبية التي منحتها أصواتها في انتخابات 2006. إن «حماس» في ظل غياب قدرتها السياسية على التكتيك والمناورة، فقدت بعض حلفائها واستعْدت آخرين، لكنها بعد تجربتها خلال السنوات التسع الماضية، أدركت عن اقتناع ويقين أنه ليس لها من خيار إلا العمل بمبدأ الشراكة السياسية على قاعدة من التوافق الوطني، وتوطيد ارتباطاتها مع العمق العربي والإسلامي. لذا لم يعد العمل بأن تمضي «حماس» بمفردها، حيث الأعباء فوق طاقة تحملها، وما دام الاحتلال قائماً، فذلك يستدعي طاقة الجميع في فصائل العمل الوطني والإسلامي.

■كيف تنظرون إلى خطوة الشيخ راشد الغنوشي الأخيرة: مناورة أم مراجعة فعلية؟ وإن كانت مراجعة، يبدو أنها متأخرة؟
من معرفتي بالشيخ راشد الغنوشي لأكثر من ثلاثة عقود، خاصة خلال وجوده في بريطانيا ولقاءاتنا المتكررة به في الولايات المتحدة، أعتقد أن ما فعله شيء ينسجم مع تجربته الحركية بصفته قيادياً إسلامياً صارع النظام لأكثر من ثلاثين سنة، وحاول التكيّف مع نظام بن علي بعد استيلائه على السلطة نهاية الثمانينيات، ولكن المحاولة فشلت. الشيخ راشد هو صاحب مدرسة فكرية متقدمة ومتميزة في الفكر السياسي الإسلامي، وهو أقرب إلى نهج «العدالة والتنمية» بنموذجيه المغربي والتركي، وقد اتخذ هذه الخطوة الكبيرة، التي اعتبرها البعض «تسونامي»، ليحمي حقيقة مستقبل الحركة الإسلامية في تونس، وتجنب تونس رؤية مشاهد الدمار الذي أصاب عدداً من بلاد العرب كالعراق وسوريا جراء الصراعات التي أخذت بعداً مذهبياً، وفتحت الباب واسعاً لكل صور الإرهاب، الذي أساء إلى صورة الإسلاميين كثيراً.
إن خطوة الشيخ راشد الغنوشي ستجد لها دعماً إسلامياً كبيراً إذا تمكنت فكرته من تجنيب تونس أي مواجهات داخلية، ونجحت في القضاء على الإرهاب أو عقلنة تيارات السلفية الجهادية في البلاد، بل ربما يصير نهج الغنوشي ديدن الكثير من حركات الإسلام السياسي المحسوبة على «جماعة الإخوان المسلمين» خلال السنوات المقبلة.