واضح حتى الجلاء مأزق سعد الحريري. يكاد يتحول حصاراً كاملاً على كل المستويات. بدأ منذ أعوام. منذ صار "صانع رؤساء حكومات" في بيروت، وهو محكوم بزيارتها كوطن ثان. هكذا بدأت أزمته سياسياً. تراكمت فوقها خيارات غير مجدية، في سوريا والمنطقة. بعدها جاء التغيير على مستوى السلطة في السعودية. فصارت الخسارة سياسياً بلا غطاء ولا سقف. وهذا جوهر ما عبر عنه نهاد المشنوق لا غير.

لكن الأزمة الحريرية لم تنته عند هذا الحد. راحت تتدحرج من السياسة إلى مجالات أخرى مرتبطة بها، والأسوأ أنها متفاعلة معها. المأزق السياسي، مضافاً إلى عامل الوقت الطويل، بدأ يتحول تدريجياً إلى مأزق شعبي. كل عوامله راحت تتحضر وتتخمر. ظل العصب العائلي والدموي والمذهبي يغطيه. غير أن أهل البيت كانوا يتوقعون تجلياته الصادمة عند أول استحقاق. حالات التمرد التنظيمي، مصحوبة بنأي المسافة الجغرافية ومحاولات القيادة والتحكم عن بعد. بروز ظواهر تنافس على أكثر من مستوى ومشاريع طموحات. فضلاً عن غموض غير مسبوق في السعودية حيال المنظومة الحريرية برمتها... كل ذلك بدأ يبذر المأزق الشعبي داخل تلك البنية، من رأسها حتى قواعدها.
بعد المأزقين السياسي والشعبي، وفي شكل متزامن ومسعّر لهما، جاءت طبعاً الأزمة المالية الشهيرة. هي ليست حالة حريرية خاصة. ولا هي كما يحلو للبعض تصويرها، مسؤولية مباشرة أو خطأ فادحاً من قبل الزعيم الشاب. بل مجرد سلسلة تقاطعات في الأحداث والسياقات بلغت هذا الحد. أزمة دولية على مستوى الاقتصاد العالمي. واكبتها أزمة خليجية تفاقمت مع حروب السعودية من سوريا إلى اليمن. في ظل أوهام سابقة لدى الناس حول حقيقة الظاهرة الحريرية مالياً. فالثروة الموروثة لم تكن أصلاً كما صوّر لها رقم 17 مليار دولار. جاءت بعدها عملية توزيع الإرث لتحصحصها. فيما الكوكب التنظيمي السابق أكبر من قدرة على أي حصة فردية على إدارته وصيانته.
هكذا تراكمت كل العوامل فوق رأس الرجل. وعلى قاعدة المثل الشعبي أن القلّة تولد النقار، وجد نفسه أمام كل أنواع المشاكل البيتية والداخلية الحزبية والسياسية الوطنية والإقليمية... دفعة واحدة. العارفون بخفايا تلك الأزمات المتراكبة، يروون أخباراً أقرب إلى حبكات المسلسلات التلفزيونية عن صراعات السلالات العائلية والمالية. من باريس إلى بيروت، ومن بيروت إلى صيدا وجدة. قد تكون كلها من نسج خيال الخصوم والمتربصين. وقد تكون مضخّمة مبالغاً في وقائعها وتفاصيلها. لكنها في مجملها ظلت ترسم إطار مأزق حريري ما على أكثر من مستوى.
منذ أكثر من ثلاثة أعوام أدرك الرجل حقيقة أزمته وعمقها. فعمل بشكل فعال على تجنب أي استحقاق يظهرها أو يسمح بتجلّي عوارضها. منذ العام 2013 نجح في تأجيل الانتخابات النيابية. مرة أولى وثانية. قاطع عوامل أزمته مع عوامل أزمات الآخرين، واجتاز القطوع من دون خسائر. مع إدراكه أن عوامل التآكل تزداد في الداخل وتتفاعل. قبل أشهر كان أيضاً أول من أدرك أن استحقاقاً آخر يلوح في الأفق. اسمه انتخابات بلدية. لكن فاجأه ريتشارد جونز. جاءه على غفلة من تقاعد دبلوماسي مبكر، ليبكّر في تظهير حالته المرضية. لسبب ما، خرج الناظر الأميركي الموقت عن قواعد خلفه دايفيد هايل. لا رئاسياً وحسب، بل بلدياً أيضاً. ذهب إلى نهاد المشنوق وأبلغه تكراراً: لن نقبل بتطيير الانتخابات البلدية. سارع الحريري إلى محاولات الاستيعاب. في البداية جس نبض إلغاء الاستحقاق من بعيد. بعد تأكده من استحالة ذلك، جرّب تمرير القطوع من دون أي تنافس على الإطلاق. أخضع نفسه لكل التنازلات. حتى المؤلم والمؤذي له شخصياً. التقى عبد الرحيم مراد. استوعب ما يمكن هضمه من إسلاميين. بلغ حتى الابتسام لنجيب ميقاتي، بعد خمسة أعوام على ذلك اللقاء الجليدي بينهما، وكلامه عن الغدر والخيانة... فعل كل ما بوسعه لتجنب المعركة. لأنه كان مدركاً لحقائق الأمور، لا غافلاً عنها.
رغم كل ذلك جاءت الواقعة، وشرب الرجل كأس السم: فوز في بيروت بطعم الهزيمة. ربح في صيدا بنكهة التنازل. قبل وقوع الكارثة في طرابلس: استسلام قبل المعركة في تشكيل اللائحة للخصوم، وانكسار بعد نتيجتها أمام ناسه الثائرين عليه. جدلية قد يمضي الرجل زمناً قبل أن يقرر أي طرفيها كان أصعب: تحالفه المخالف للطبيعة، أم هزيمته الصادمة لكل توقعاته؟!
المهم أن سعد الحريري بات الآن هنا. والأسوأ، ما يبدو أن الرجل قد اختاره بدءاً من هنا. الوضع اللبناني برمته، وبكل ملحقاته الخارجية، يضغط عليه للذهاب إلى ميشال عون. لكنه اختار استراتيجية أخرى لمدة سنة كاملة: أولاً كسب الوقت في رفض الاتفاق مع الرابية. وثانياً رفض أي صيغة جديدة لقانون انتخابات عادل. في مناورته الأولى يحاول الرجل استثمار نتائج هزيمته البلدية نفسها. والتهويل بظاهرة أشرف ريفي، كمانع شعبي له دون التفاوض مع عون. وفي مناورته الثانية، يسعى إلى تأبيد الوضع النيابي القائم، حتى يقضي الله أمراً ...
في الأعوام الماضية، أدت مآزق الحريري إلى ترتيب خسائر فادحة عليه زعيماً وتياراً سياسياً. في مخططه الأخير يقامر الرجل بقضايا وطنية وميثاقية كبرى. قالها له وليد جنبلاط بلغة الحليف الصادق. يبدو أنه لم يسمع. يجب تكرار النصيحة، ومن أصوات أكثر إسماعاً له، قبل أن تتكرر الكوارث.