لم يقتصر نجاح المقاومين الفلسطينيين في عملية تل أبيب، أول من أمس، على تخطي الإجراءات الأمنية الإسرائيلية كافة لتنفيذ ضربة مؤلمة في خسائرها، بل امتد ذلك ليشمل الرسائل التي انطوت عليها العملية، كونها نفذت داخل فلسطين المحتلة وفي العمق الإسرائيلي، تل أبيب، وتحديدا بالقرب من مقر وزارة الأمن ومقر قيادة أركان الجيش، حيث يفترض أن تكون الإجراءات الأمنية استثنائية، علما بأن الشابين انطلقا من مناطق خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية (مدينة الخليل).

مرة أخرى، يفاجئ الشعب الفلسطيني القيادة الإسرائيلية بشقيها السياسي والأمني. ويوجه ضربة مؤلمة في العمق بعد سلسلة من التقارير التي أوحت أن إسرائيل بدأت تتلمس مؤشرات على نجاح الأجهزة الاستخبارية والعملانية داخل جيش العدو في استعادة الأمن الشخصي للإسرائيليين عبر إخماد الهبة الشعبية (انتفاضة القدس)، فأتت عملية تل أبيب لتبدد هذه التقديرات.
على مستوى صناع القرار السياسي، كان لهذه العملية وقعها القاسي عموما، وعلى شخصيتين أساسيتين تحديدا: الأول رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، والثاني وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان؛ بالنسبة إلى نتنياهو، فبرغم أنه حافظ على حذره من المبالغة بالاحتفال بنجاحات الأجهزة الاستخبارية، خوفا من مفاجأة مقاوم فلسطيني، فإنه أظهر أنه استطاع تجاوز محطة الانتفاضة دون أثمان سياسية كبيرة. لكن بعد عملية تل أبيب، ستبدي الجهات والقيادات الإسرائيلية كافة حذراً أكبر إزاء أي هدوء يسود الساحة الأمنية، نحو التعامل معه على أنه الهدوء الذي قد يسبق عاصفة مدوية.

غياب التبنّي التنظيمي يحجّم الإنذار الاستخباري وخيارات الردّ

أما عن ليبرمان، فشكلت العملية استقبالا دمويا من إعداد مقاومة الشعب الفلسطيني، وخاصة أنها أتت على مسافة أمتار معدودة من مكان عمله في وزارة الأمن. وفرضت هذه العملية أيضا تحدياً مقابلاً للتحدي وللرسالة التي انطوى عليها تعيينه في هذا المنصب، وهو تعيين لم يمض عليه سوى أيام معدودة. وبرغم الأبعاد المتعددة لتوليه لهذه المنصب، فإن المعنيّ الأول برسالة نتنياهو ــ ليبرمان كان الشعب الفلسطيني، الذي وضعه أمام أول اختبار يستفز خلفياته العنصرية والعدائية ويختبر نهجه الهجومي الذي يروج له. وفي محاولة للرد على هذا التحدي، أكد ليبرمان لدى زيارته مكان العملية، أنه «لا ينوي الاكتفاء بالكلام» كرد فعل.
مع ذلك، يبقى التحدي الأهم بالنسبة إلى وزير الأمن هو أن السياسة الأمنية التي تم اعتمادها حتى توليه منصبه، كانت تقوم على ضرورة عدم الذهاب في خيارات الرد إلى ما يؤدي إلى العقاب الجماعي الشامل. ويعود ذلك إلى تقدير تتبناه الأجهزة الإسرائيلية، ومفاده بأن خيارا من هذا النوع لن يحقق الردع المؤمل منه، وإنما سيؤدي إلى اتساع نطاق الانتفاضة بدلا من أن يخمدها.
في المقابل، بات على ليبرمان أن يحدد موقفا واضحا وصريحا: هل سيتكيف مع هذه السياسة انطلاقا من أن ما بات يراه من هذا الكرسي لم يكن يراه وهو في المعارضة، أم سيحاول فرض أجندة أمنية مختلفة على نتنياهو إذا استطاع؟ كل المؤشرات والتقديرات تشي حتى الآن بالسيناريو الأول.
وبالاستناد إلى التقارير الإعلامية العبرية، التي أكدت حتى الآن أن المنفذين الفلسطينيين ليس لديهما أي انتماء تنظيمي إلى أي من فصائل المقاومة، تتعزز مخاوف القيادة الأمنية والسياسية الإسرائيلية إزاء ما يترتب على هذه الخصوصية من تداعيات تتصل بالإنذار الاستخباري ومحدودية الخيارات العملانية. فمن جهة، يؤكد الطابع غير التنظيمي للمنفذين أن خيار الانتفاضة لا يقتصر على أبناء الفصائل، بل يشمل قطاعات الشعب الذي ينتمي أولا إلى قضية فلسطين، ومن جهة أخرى، عزَّزت العملية التقدير بأنه برغم محاولات حرف البوصلة وفرض أولويات مغايرة في المنطقة، فإن النضج الذي يتمتع به فلسطينيون كثيرون كفيل بتحصين القضية والحفاظ على تصدرها كأولوية تفرض نفسها على الواقع الإسرائيلي والإقليمي وحتى الدولي، وخاصة أن هذا النضج لا يقتصر على الموقف والكلمة، بل يترجم بالدم وبالتضحية.
هذه الحقيقة شكلت حتى الآن صمام الأمان الاساسي للقدرة على استمرار الانتفاضة، كونها سلبت الإسرائيلي القدرة على الإنذار الاستخباري الذي قد يتمتع به إزاء فصائل المقاومة، بفعل التنسيق الأمني مع أجهزة السلطة. وعلى المستوى العملاني، يترك الطابع غير التنظيمي للعملية أثره في دراسة الخيارات لدى القيادة السياسية والعسكرية. باعتبار أن أي أثمان مفترضة يمكن للعدو أن يجبيها من أي من الفصائل ــ لا يستبعد ذلك ــ سيكون غير ذي صلة، وبأقل التعابير سيكون له أثره المحدود في ردع الشباب الفلسطينيين، لأن الجهة التي ربما تستهدف ليست هي التي أعطت الأوامر ووفرت الوسائل لتنفيذ العملية، ولا قرار المنفذين للعملية كان مرتبطاً عضوياً بقرار هذا الفصيل أو ذاك. من هذه الزاوية تشكل هذه الخاصية عنصر قوة للانتفاضة، كما أن للعمل الفصائلي عناصر قوته الخاصة أيضا.
مع ذلك، قد توفر هذه الميزة فرصة للمستوى السياسي الإسرائيلي للتنصل من خيارات رد، يرى في الظروف الحالية أنه غير معني بها، لذا لا يستبعد أن يتحصن المستوى السياسي بكون قرار العملية كان ذاتيا بالمنفذين، ولم يأت من أي فصيل، ليبرر تجنب الرد الدراماتيكي الذي قد يؤدي إلى التدحرج إلى مواجهة لا يريدها أي من الأطراف في هذه المرحلة، كلٌّ لأسبابه.
على المستوى السياسي العامّ، أتت هذه العملية المدوية في مقابل ارتفاع منسوب الحديث عن المبادرات لدفع عملية التسوية. سواء في ما يتعلق بالحراك الدولي الذي تمثل بالمبادرة الفرنسية ومؤتمر باريس، أو بالمبادرة العربية والمؤتمر الإقليمي (مصر)، لكن هذه العملية شكلت ردا على هذه الخيارات المطروحة التي تنطلق من التسليم بالوقائع التي فرضها العدو، وتهدف إلى محاولة شرعنة احتلال فلسطين وتحويل الكيان الإسرائيلي إلى جزء شرعي من منظومة إقليمية، وكل ذلك على حساب الشعب الفلسطيني.
ومن أهم الرسائل، التي انطوت عليها العملية في هذا المجال، أنها أوضحت للعدو أن قرار استمرار المقاومة غير مرتبط بأولويات وبمصالح وبتوجهات أنظمة رسمية عربية ترى في التسوية مدخلا للتحالف مع العدو، من دون أي علاقة بانتزاع حقوق الشعب الفلسطيني. ورسالة إلى هذه الأنظمة نفسها بأن الشعب الفلسطيني قد اتخذ قراره وانتهج خياره القائم على المقاومة، رغم محاولة خنقها بمختلف السبل.
في كل الأحوال، اتخذ المجلس الوزاري المصغر سلسلة قرارات تعكس حقيقة أن القيادتين السياسية والأمنية لم تسارعا إلى تبني نهج دراماتيكي في الرد على عمليات الانتفاضة، لكنها تضمنت عقوبات جماعية ضد المواطنين في بلدة يطا في محافظة الخليل، جنوب الضفة المحتلة، وإلغاء التصاريح التي سمحت بالدخول إلى إسرائيل خلال شهر رمضان. كما تم إطلاع الوزراء الأعضاء في الكابنيت على أن الميزانية التي خصصت لسد الفجوات في الجدار الأمني في منطقة ترقوميا ــ مستوطنة «ميتار» قد حوّلت، وأن الأعمال ستبدأ في الثامن عشر من الشهر الجاري، وحتى بدء هذه الأعمال سيستمر تعزيز القوات العسكرية المنتشرة في هذا القطاع.
إلى ذلك، نفذت قوات الشرطة الإسرائيلية اقتحامات لأماكن يوجد فيها عمال فلسطينيون في تل أبيب ليس بحوزتهم تصاريح عمل ودخول، كما نفذت الشرطة اعتقالات بين هؤلاء العمال.