ممكن جداً تصور حسابات العائلة السعودية، التي دفعتها إلى إعدام نمر النمر. ففي محاولة أولية لتلك الحسابات يمكن أيّ مراقب حيادي أن يجرد الآتي:

أولاً، هناك في الحد الأدنى حاجة النظام إلى تغطية إعدام نحو 42 محكوماً سنياً، متهمين بملفات إرهابية فعلية. وهو ما قد يعتبره أهل الرياض حاجة ماسّة لهم الآن بالذات، في خضم تسويقهم أنفسهم على أنهم جيش الإسلام في مواجهة الإرهاب.
ثانياً، هناك حاجة أخرى إلى إشغال الناس في مملكتهم بمسائل تحويرية، تلهيهم عن وضع اقتصادي بادئ في التردي، فوق وضع أمني شبه متفلت حتى التسيب، رغم تعتيم الإعلام وحظر الحقائق.
ثالثاً، هناك حاجة تلك العائلة إلى التغطية على مغامراتها في اليمن، حيث أعلنت في 25 آذار الماضي عاصفة حزم شهيرة. خرج بعد 24 ساعة فقط من إعلانها، قائد عسكري سعودي عظيم، ليعلن أن العاصفة المذكورة قد حققت أهداف مرحلتها الأولى كلها من دون استثناء. وبعد أقل من شهر على تلك المغامرة، أذهلت القيادة نفسها العالم بإعلانها أن العاصفة انتهت، بعدما "أنجزت اهدافها وفق الخطط الموضوعة في وقت قياسي"، لتعلن بداية "إعادة الأمل"... بعد تسعة أشهر على تلك التخرصات، احتلت "داعش" ثلث اليمن واحتل الحوثيون عشر السعودية... حقيقة تحتاج إلى أكثر من إعدام لينعدم ذكرها عند أهل نجد والحجاز المقهورين.
رابعاً، يبدو حكام الرياض مستميتين من أجل إيصال رسالة إلى كل من واشنطن وإيران، مفادها أن ليس في استطاعة كل منهما القفز فوق براميل ذهبهم الأسود وأرصدتهم ومكرماتهم وتبرعاتهم، تاريخ طويل منذ يالطا ولقاء روزفلت بعبد العزيز... ليذهبا معاً إلى اتفاق في المنطقة وحولها، من دون شورى ولا دستور... تماماً كما هو نظام تلك العائلة أصلاً. ما اقتضى توجيه الرسالة مشفوعة بملحق سري مفاده: هبوا إلينا، وإلا فجرنا أنفسنا وفجرنا ما حولنا. وما يخفيه السعوديون في رسالتهم تلك إلى واشنطن خصوصاً وإلى طهران تالياً، معرفتهم أن نظامهم لم يترك بديلاً له في حال سقوطه إلا ما هو "داعش" في أحسن الأحوال، وهو ما يصير نوعاً من معادلة الابتزاز لكل العالم: أنقذونا من جنوننا، وإلا سقطنا وتركنا لكم جنوناً أعظم، نحن أنفسنا من خلقه ومسخه ورعاه ونمّاه، بواسطة فكرنا الإلغائي الشامل، وعقلنا العنفي الكامل!
يبقى هناك خامساً، هذا الإحساس لدى عرّابي تلك "العائلة" بأن سلطتهم تتآكل يوماً بعد يوم، وأن خسارتهم تتحقق بالنقاط. وأنه لم يعد أمامهم إلا سلاحهم السري العلني الأخير: تفجير حرب سنية شيعية عبر العالم كله، علّ الخطر الجدي بإحراق مليار شخص، ينقذ مئات من أصحاب المليارات الشخصية.
قد تكون تلك الحسابات مفهومة، وإن كانت غير مقبولة ولا مشروعة. لكن في المقابل، ثمة "عوارض جانبية" تخلفها السلوكيات السعودية على مستوى العالم كله. عوارض بدأ يشعر باعتلالها كوكب بكامله. عوارض تنذر بعودة عالمنا إلى زمن التوحش الكامل والبربرية المطلقة. يكفي قراءة ما يشكل "صيحات" عالم التواصل الاجتماعي على مستوى الأرض في اليومين السابقين فقط، وهذه مجرد نماذج:
وكالات الأنباء العالمية تنقل عن مسؤولي الشرطة في مدينة كولونيا الألمانية، أن مسلسل الاعتداءات الجنسية على نساء المدينة، بلغت خلال أسبوع عيد الميلاد، مستوى يشكل بعداً جديداً لمفهوم الجريمة في ألمانيا. قبل أن يوضح المسؤولون الألمان أن سلسلة الجرائم تلك ارتكبتها مجموعة من نحو ألف شخص، تشير ملامحهم إلى أنهم من أصول عربية أو شمال أفريقية!
في بروكسل، أقدمت مجموعة من الشبان الموتورين بشكل هستيري، على إحراق شجرة الميلاد في إحدى ساحات العاصمة البلجيكية، وهم يصرخون: ألله أكبر!
في أوسلو، أعلن مصدر في الشرطة النروجية في اليوم الأخير من سنة 2015، أنها باتت تعتبر حي غرونلاند في إحدى ضواحي العاصمة خارج سيطرة الدولة والسلطة الرسمية للحكومة، بعدما بات هذا الحي أشبه بكراتشي أو مقديشو، بحسب وصف النروجيين. إذ صار خاضعاً لشرطة الشريعة الإسلامية التابعة لأصوليين من المهاجرين إلى النروج!
في الهند، وفي شكل متزامن، كان أصوليون إسلاميون يحرقون دزينتين من سيارات الشرطة في ضاحية مالدا في مقاطعة البنغال الغربي الهندية، على وقع هتافات هستيرية ضد الهندوس. فيما كانت الشرطة الباريسية تردي أصولياً يحمل سكيناً ويحاول دخول مركز للشرطة الفرنسية، والقضاء الفرنسي يتراجع عن اتهام أصولي آخر بالإرهاب، بعدما قاد سيارته لدهس عسكريين فرنسيين وهو يهتف "الله أكبر!"، وفيما السلطات البريطانية تطمئن مهاجريها الملتحقين بوحوش "داعش"، إلى أنها لن تقاضيهم في حال عودتهم، إذا ما أعلنوا تخليهم عن الانتماء إلى ذلك التنظيم الإرهابي وعدم مشاركتهم بارتكاب جرائم في صفوفه!
قد تصح حسابات الحكام السعوديين حيال إشعالهم النار الخليجية خدمة لمصالحهم، وقد تخطئ. لكن في غضون ذلك الجنون، ماذا لو أفاق العالم على حقيقة أن آن الأوان لضرب رأس هذا الفكر الكارثي على البشرية، وضرورة استئصاله نهائياً؟