مرّت سنة وثلاثة أشهر، وما زالت قضية الطفلة إيللا طنوس التي بترت أطرافها الأربعة، تراوح مكانها، بانتظار صدور قرار ظنيّ يحيل الملف على المحكمة الجزائيّة، بعدما رفضت نقابة الأطباء إحالة الطبيب عصام معلوف على المجلس التأديبي، بحجّة وجود دعوى ضدّه أمام القضاء الجزائي ينتظر صدور الحكم فيها. فهي لم ترصد إجحافاً بحق الطفلة، رغم صدور ثلاثة تقارير تدينه وتحمّله مسؤوليّة ما حصل، الأول عن وزارة الصحة، والثاني عن اللجنة العلميّة التي ترأسها نقيب الأطباء السابق شرف بوشرف، والثالث عن لجنة طبيّة برئاسة البروفيسور أمين قزي (رئيس قسم الطوارئ في الجامعة الأميركيّة الذي انفصل عن لجنة بوشرف وقدّم تقريراً مستقلاً لما وصفه بمحاولات اللجنة إبعاد المسؤوليّة عن المعونات وأوتيل ديو ورميها على الجامعة الأميركيّة).

ينتظر نقيب الأطباء الجديد ريمون صايغ إقامة الاجتماع الأول له مع مجلس النقابة الجديد قبل التعليق على الموضوع، فهو لم يطلع على كلّ التفاصيل المتعلّقة بالملف، ولكنّه يجزم لـ»الأخبار» بأنه سيكون للنقابة «موقف يضمن حقوق المرضى والأطباء على حدّ سواء». استراتيجيّة نقابة الأطباء للتعاطي مع موضوع الأخطاء الطبيّة لم تكن تضمن حقوق المرضى، فالنقابة شكّلت لجنة أكّدت أن العلاج الذي قدّمه معلوف للطفلة إيللا مطابق للمعايير العلميّة (في تناقض واضح مع ثلاثة تقارير أدانته صراحة)، وهي تعاطت باستنسابيّة مع الملفات، (إذ أحالت الطبيب رياض علم المتهم بإجهاض مئات النساء في ملف الاتجار بالبشر على المجلس التأديبي، رغم وجود دعوى جزائيّة في حقّه، فيما تمتنع عن إحالة الطبيب عصام معلوف على المجلس التأديبي بانتظار صدور الحكم الجزائي)، يردّ صايغ على ذلك: «لا شكّ أن لكلّ نقيب ومجلس نقابة أسلوباً في التعاطي مع الملفات، ولا شكّ سيكون لدينا مقاربة جديدة للأخطاء الطبيّة».

توزيع المسؤوليات بنسب متفاوتة

نقيب الأطباء الجديد: سيكون لدينا مقاربة جديدة للأخطاء الطبيّة

في خلاصة التقريرين الصادرين منذ ثلاثة أشهر عن بوشرف وقزي، يتبيّن أن هناك تراكماً للأخطاء في معالجة إيللا في سيّدة المعونات وأوتيل ديو والجامعة الأميركيّة، ما حتّم توزيع المسؤوليات بنسب متفاوتة على المستشفيات وأطبائها، فضمّتهم النيابة العامّة إلى الادعاء وسلّموا التقريرين وأمهلوا حتى 14/7/2016 للتعليق عليهما، علماً أنها لم تحقّق مع معلوف ومع أيٍّ من الطاقم الطبيّ في المعونات إلّا بعد ضمّ المدّعى عليهم الجدد. مع الإشارة إلى أن التأخير في صدور القرار الظنيّ أسبابه عدّة، بدءاً من الروتين القضائي، مروراً بالمماطلة في تسليم التقرير الطبي ودفوع معلوف الشكليّة إلى القاضي، وصولاً إلى التأخير في إرسال مذكّرة إلى وزارة الصحة لمعرفة مالكي مستشفيي أوتيل ديو والجامعة الأميركيّة.
التقريران اللذان وصلا القاضي لا يختلفان كثيراً. جمعُهما معاً يظهر حقيقة ما حصل في المستشفيات الثلاثة، ويؤكّد «أن المسؤوليّة طبيّة حتى لو مارس الوالدان ضغوطات». فمستشفى سيّدة المعونات تأخّر في تشخيص حالة الطفلة، وفي معالجتها بالمضادات الحيويّة وفي تقديم علاج «الصدمة الإنتانيّة» (choc septique). وتكمن مسؤوليّة أوتيل ديو في عدم فحص الطفلة لمعرفة ما إذا كانت بوضع يسمح بنقلها. فيما الاستخدام المفرط للعلاج المضيّق للأوعية وتأخّر إيقافه في الجامعة الأميركيّة، رغم تحسن الطفلة سريرياً وبيولوجياً أخّر تشخيص ومعالجة الغرغرينا، ما أدّى إلى بتر أطرافها الأربعة. فيما المسؤوليّة المترتبة على وزارة الصحّة تكمن بضرورة إشرافها على وحدات رعاية الطوارئ وتوفير خدمات نقل المرضى مع تجهيزاتها الملائمة بعدما تبيّن أن طوارئ المعونات يفتقر إلى سيّارة إسعاف كانت ضروريّة لنقل الطفلة.

مسؤولية الأطباء

أبرز بنود التقريرين هي الآتية:
- اتكال معلوف على تشخيص الطبيبة المقيمة في سيدة المعونات لحالة إيللا، وعدم متابعتها طبياً وإمدادها بالأوكسيجين، رغم الضائقة التنفسيّة، أدى إلى تدهور حالتها خلال الليل وإصابتها بصدمة إنتانيّة في اليوم التالي دون اتخاذ أية إجراءات، حيث لم يقدّم لها العلاج اللازم الذي كان من الممكن أن يوقف تدهور حالتها ويلغي الحاجة إلى علاجات أخرى.
- اعتماد معلوف على الممرضات وطلاب الطبّ في تقويم الطفلة ومتابعتها خلال مكوثها في الطوارئ، وعدم تسجيل العلامات الحيويّة للمريضة طوال الليل، وعدم توثيق حالتها إلّا خلال الجولة الصباحيّة. كذلك لم يعطِ معلوف أهمّية لكمية إطراح البول، ولم يطلب إعطاء سوائل وريديّة.
- عدم حضور معلوف حتى اليوم الثاني من دخول الطفلة إلى المستشفى وتوصيته بمتابعة العلاج نفسه، وهو ما سبّب تأخراً 12 ساعة لتشخيص حالتها والمباشرة في إعطائها العلاج، ما شكّل السبب الرئيسي في تفاقم حالتها. علماً أن كلّ ساعة تأخير في إعطائها الدواء بعد إصابتها بالصدمة الإنتانيّة غير المعالجة التي تسبّب الموت بنسبة 80%، أسهمت في تقليص فرص نجاتها بنسبة 7.8%.
- نقل الطفلة من المعونات إلى الجامعة الأميركيّة بواسطة سيّارة والدها بمرافقة الطبيبة المقيمة في المعونات وبعد موافقة معلوف، سببه أن الطبيب المعالج لم يتمكّن من حجز مكان لها، ورفض الصليب الأحمر نقلها دون وجود حجز باسمها، وعدم وجود سيارة إسعاف في المستشفى. ومع وصولها إلى الجامعة الأميركيّة بقيت نحو 6 ساعات في الطوارئ لحين توفير مكان لها، وكان وضعها سيئاً، وباتت أطرافها تميل إلى اللون الأزرق.
- عدم توجّه الوالد إلى الجامعة الأميركيّة مباشرة ومروره إلى أوتيل ديو لاستشارة طبيب أطفال آخر، جاء بنصيحة من معلوف، وهو وارد في شهادة الطبيبة المقيمة في المعونات لدى قاضي التحقيق.
- في أوتيل ديو لم يكشف عليها سريرياً بانتظار وصول طبيب الطوارئ، الذي تواصل مع معلوف وأبلغه عدم إمكان استقبالها، طالباً نقلها إلى الأميركيّة. رغم إصابتها بصدمة إنتانيّة، فهو لم يقوّم حالتها الصحيّة، ولم تتلقّ الرعاية الأوليّة الملائمة.
- فشل التشخيص وتقديم العلاج المناسب للإنتان والصدمة الإنتانيّة، والتأخير والانحراف عن المعايير العلاجيّة، وعدم تشخيص التخثر المنتشر داخل الأوعية، وعدم إجراء أي فحص دم لتشخيص التخثر في المعونات وأوتيل ديو، أدت إلى نشوء اضطراب التخثر المنتشر داخل الأوعية، كذلك أدت إلى نشوء الغرغرينا.
- تأخّر تشخيص حالة الغرغرينا في الجامعة الأميركيّة لأيام بعد وصولها، وهي تفاقمت نتيجة استخدام جرعات عالية ومطوّلة لرافعات الضغط وتضييق الأوعية الطرفيّة، وتأخّر تشخيص متلازمة الصدمة التسمميّة الناتجة من العقديات وبدء العلاج المتخصّص لها، وعدم مراقبة الضغط الوريدي المركزي، حيث كان يجب معالجة غرغرينا الأطراف في وقت أبكر للحدّ من تطورها. فالتأخيرات الحاصلة قضت على فرص نجاة الطفلة الباقية.
في آذار 2015 تحوّلت إيللا بعمر الثمانية أشهر إلى قضية رأي عام، نتيجة إهمال طبيب، وتقصير مستشفى، وتستر نقابة أطباء. الخطأ في تشخيص حالتها وإهمال علاجها أدّى إلى تفاقم وضعها الصحيّ وصولاً إلى بتر أطرافها الأربعة. اليوم تبلغ الطفلة السنتين من عمرها، صحيح أنها عادت لتقف، لكن على رجلين اصطناعيتين، بانتظار إحقاق العدالة.