قبل أسابيع، انتُخبت إحدى البلديات في جبل لبنان على نحو مغاير لما يسمى العرف الطائفي في توزيع أعضائها. أي إن طائفة تمثّل أقلية في البلدة المذكورة تمثلت بأقل من الحصة التي تعدّها حقاً لها بموجب العرف. فسارعت هيئة مكونة من رجال دين لا دنيا، إلى إصدار بيان عن الموضوع. هذا بعض من عباراته "الروحية": نتائج الانتخابات غير ميثاقية وغير دستورية... تمثّل خللا واضحا لمبدأ العيش المشترك... مجحفة بحق شريحة كبيرة وفاعلة في المجتمع... نطالب الأعضاء المنتخبين بتقديم استقالتهم فورا وانتخاب بلدية جديدة ترسي حقوقنا... نحمّلهم المسؤولية لانهم غير معنيين بالمطالب المحقة لابنائنا... نحذر من الاستمرار في إهانة أبناء طائفتنا عبر الاستهتار بهم وبحقوقهم التاريخية، ومن القيام بأي نشاط يذكر في البلدية، ومن ابتزاز وتحدي ابناء طائفتنا والاخلال بالعيش المشترك قبل ان يجري الاتفاق على وثيقة تفاهم تضمن لأبناء طائفتنا حقوقهم التاريخية المهدورة... قبل السير بخطوات تصعيدية واعتصامات... مع التحذير من عدم أخذ هذا البيان على محمل الجد، ووقف المناورة لكسب الوقت قبل قوات الاوان ... كان هذا بعض ما جاء في البيان الروحي!

في طرابلس حصل الأمر نفسه. على نحو كامل ومعكوس طبعاً. سقط جميع المرشحين من لون طائفي آخر. مناورة أشرف ريفي ما كانت لتجدي أصلاً. فتوحيد أسماء المرشحين على اللائحتين ما كان ليبدل شيئاً. علماً أن فيتوات ريفي نفسه كانت كارثة، كما أكد أحد أساقفة المدينة. المهم أن المرشحين كانوا سيسقطون، لأن بضعة آلاف من المقترعين الذين رجحوا الكفة، يدركون تماماً من يقدر على تغطية 160 ألف مخالفة بناء شوهت نصف لبنان، ومن يقدر على فتح 45 ألف بئر مياه بلا تراخيص، ما قضى على ثروة مياهنا الجوفية، ومن يملك القدرة على الحماية في زمن اللادولة، وصولاً حتى تبليط البحر. ولذلك فهؤلاء لن يقترعوا لمرشحين مقطوعين من آخر يباس صبارة التعددية الطرابلسية، المنذورة للقطع في صحراء الفيحاء...
في مدينة أخرى في جبل لبنان تعرضت محامية مرشحة لانتخابات بلدية، لأقصى أنواع اضطهاد والتهويل. باسم تهديد السلم الأهلي وتشكيل خطر على العرف الميثاقي. وصلتها التهديدات إلى نطاق عملها المفترض حصناً للحق، ومن داخله. حتى انسحبت بصمت وعزفت عن الترشح. في مناطق عدة أخرى، ما أصاب شربل نحاس والقلة من انتحارييه، كان دليلاً دامغاً على الجنون المذهبي العابر لكل جغرافيا الوطن. وعلى منسوب جاهزيته لإلغاء، لا الرأي المقابل وحسب، بل حتى المحايد أيضاً. ربما هذا الجنون كله، ظهر نتيجة الإدراك لحالة الاعتراض المدني الناشئ. بغرض وأده سريعاً. أو قد يكون العكس، خرج الناس إلى اعتراضهم لحظة عاينوا جنون الإلغاء المذهبي الشامل.
لكن، يجب الاعتراف بأن هذا السلوك البلدي الانعزالي العام، ليس محصوراً على الصعيد البلدي ولا معزولاً في مستوى وحيد من بنيات النظام اللبناني. أحد الباحثين أكد أنه سمع في مناطق مختلطة لا تخطر في بال، كلاماً من نوع أن شرعنا لا يجيز لنا الاقتراع لغير أبناء ديننا! مرجع روحي آخر كان في شكل متزامن مع الانتخابات يؤكد في بيان مكتوب، أنه وطائفته لن يقبلا أي مس بما يسميه قضاءه الشرعي. وأنه وطائفته لن يسمحا لأي جهة في العالم بأن تنص لهما قوانين حياتهما!
في مختلف التعبيرات المجتمعية الأخرى، من تربية وثقافة وإعلام وغيرها، الحيز الباقي لما يفترض دولة مدنية لا دينية، ينحسر، بل يُحتضر. المفارقة في كل هذا، أن غالبية ساحقة من المعنيين بالشأن العام، من رسميين ومواطنين وناشطين، تعدّ هذا الزحف الديني طبيعياً. أو على الأقل تغض الطرف حياله أو تسكت دون إثارة أي اعتراض عليه. يمكن لوزارة الداخلية أن تلغي أي انتخاب بلدي بحجة خلل مذهبي غير مرعي أصلاً لا في الدستور ولا القانون، ولا من يرد بكلمة. تدفن ثورة نضال وخلود في زواج مدني، في جارور حكومي، ولا من يرفض أو يتمرد أو يتابع...
كل ذلك مقبول أو مسكوت عنه بالحد الأدنى. لكن الوضع سرعان ما ينقلب رفضاً وإثارة وتجريماً وتحريماً، حين يطاول قانون الانتخاب. مفارقة غريبة فعلاً. أن يكون التدين والتطيف والتمذهب، محتملاً في قطاعات من نظامنا لا شيء ينص على طائفيتها. فيما يكون مطلب التوازن الطائفي حيث نص عليه الميثاق والدستور والقانون، أشبه بجرم مشين. دولة بكاملها تبحث في مذهبية عضو بلدي، أو طائفة موظف فئة رابعة. حيث يفترض أن يكون التحرر من أي قيد طائفي أو مذهبي قد طبق وحقق منذ ربع قرن. فيما الدولة نفسها، تستفظع الكلام عن قانون انتخاب يضمن المناصفة النيابية الفعلية، كما يؤكد عليها الميثاق حرفياً في مقدمة الدستور، والمادة 24 منه والقانون الانتخابي ذاته.
إنه شكل آخر من عوارض انفصامنا. لكنه ههنا واع إرادي طوعي وعاقل. بخلفية الخبث والنفاق والكذب الميثاقي، للإمساك بالسلطة والاستئثار بها والبقاء فيها بشكل مؤبد. لم يعد يحتمل بقاء هذا البلد سكيزوفرينيا عمدية كهذه. إما قانون أرثوذكسي وإما لا طائفية كاملة. وإلا فكل الشوارع تغلي. وستغلي أكثر بكثير بعد، طالما أن الله مرتبط مباشرة بكل عضو من أعضاء آخر بلدية.