قبل عام 2011، كانت الدعوة الدينية أو الدروس الرمضانية محصورةً في المساجد، ولا تتعدّى حدودها إلا ما ندر. ولكن، ومع اتخاذ الأزمة السورية المنحى العنفي، بدأت الجماعات المسلحة بإرساء أحكامها الخاصة، لتأكيد حضورها في بقع انتشارها.

يؤكّد أبو عبد الرحمن، أحد «دعوّيي» «تنظيم القاعدة في بلاد الشام _ جبهة النصرة»، ان «الدعوة والتحريض على الجهاد اختلفا عما كانا عليه قبل الثورة أو في بدايتها»، معلّلاً ذلك بـ«تطور الوسائل، واستخدام المجاهدين وسائل جديدة». إذاً، استفادت الجماعات المسلحة، على اختلاف مشاربها من التقنيات المتاحة، وقنصت فرصة التماس مع حاضنتها الشعبية، فبدأ خطاب «الدعوة» بالاختلاف تدريجياً وتصاعدياً. ينقل أبو عبد الرحمن، أحد «دعويي» إدلب، تجربته لـ«الأخبار» ليعمّمها على مختلف «دعويّي» المناطق السورية، باعتبارها سياستهم العملية في السنوات الماضية. «كان التحريض مقتصراً على الثورة، على الظالم لإرجاع الحقوق، ورفع الظلم ومحاسبة المفسدين»، مضيفاً أن «التحريض كان سلمياً، على الأقل، وتفاعلت معه شريحة كبيرة من الناس».
يوافق أبو صهيب، أحد شرعييّ «أحرار الشام»، كلام رفيق سلاحه. يؤكّد، أيضاً، أن «التحريض على الجهاد، قبل الثورة، كان معدوماً، إلا على الصعيد الشخصي لبعض الشباب»، لكنه لا ينفي وجود قنوات لـ«الدعوة» قبل 2011، وتحديداً «بين الشباب وبعض مجاهدي العراق، أو بعض الخلايا التابعة للقاعدة داخل أرض الشام».

عادة ما يكون «نجوم الخيم الدعوية» من «المهاجرين»

ويتّفق الطرفان على أنه «مع إتمام الثورة أشهرها الأولى، ارتفعت وتيرة الخطاب التحريضي بشكل واضح جداً»، فـ«صوت الجهاد وحمل السلاح للمقاومة، كان ضعيفاً»، ذلك «أن الوسائل قليلة وضعيفة، والمتكلمين قّلة». وكان لا بدّ من طريقة تمزج بين «الدعوة» التقليدية، والوسائل والتقنيات المتوافرة، فكان النتاج «الخيم الدعوية»، ببرامجها و«موادها الإعلامية».
اليوم، ومن وجهة نظر «الأحرار» فإن «وتيرة الخطاب التحريضي انخفضت بشكل ملحوظ وواضح»، إلا أن «النصرة» تختلف معها، لأن «الدعوة للجهاد ولتحكيم الشريعة هي الأساس»، يقول أبو عبد الرحمن.
يشرح «القاعدي» كيف أثبتت «النصرة» حضورها وعزّزت حاضنتها الشعبية، إذ «بدأنا بنشر الكتاب الإسلامي، والمطويّات وخاصّة التعليمية والتحريضية منها، في جوٍّ من الحرية والعلنية». و«أطلقت الجبهة الملتقيات الدعوية على الساحة، واستفادت فيها من الوسائل الإعلامية والتقنية الموجودة»، يروي.

«المهاجرون»: هديّتنا للحاضرين

عند التاسعةِ ليلاً، تفرّق مصلّو العشاء من أحد مساجد ريف إدلب الشمالي، وهم في طريقهم إلى ملتقى «النصرة الدعوي» في ساحة البلدة. هناك نَصَب «مكتب الدعوة والإرشاد» خيمة كبيرة، يتوسطها منبر وكراسٍ وُزّعت بشكلٍ دائري.
وبعيداً عن برنامج «الملتقى»، فإن «نجومه» هم خطباء الخيم، «الشرعيون» أو «الدعاة»، وعادةً ما يكونون من «المهاجرين» («المقاتلون الذين ينفرون من بلدانهم، إلى أرض الشام، للجهاد»)، لأن «تجربتهم جديدة على أهل الشام، ولاقت رواجاً لديهم، وقبولاً»، بحسب أبو عبد الرحمن.
هم «مفوّهون بكلماتهم التحريضية على النفير»، مؤكّداً أن «الجبهة تعمّدت تقديم المهاجرين في خيمها لكسر الحواجز بين المجتمع وبينهم من جهة، ولتغيير الصورة النمطية في أذهان الناس، بأنهم قوم غلاظ قساة».

«هيّا ننفر»

تبدأ فعاليات «الملتقى»، حيث تعبيرا «حيّ على الجهاد» أو «هيّا انفروا» يختصران هدفه.
وبالإضافة لكلمات «المهاجرين» المليئة بـ«التحريض على الجهاد» ووجوب قتل «النصيرية والروافض، وتمكين حكم الشريعة، والعمل على إعلاء راية الإسلام»، فإن البرنامج، الذي يمتد على نحو ساعةٍ من الزمن، يضمّ أيضاً «حلقات إنشاد ومسابقاتٍ شفهية، تقدَّم للفائز فيها جوائز عينية، وأنشطة ترفيهية».
أما المادة الرئيسية في «الخيم الدعوية» فتشكّلها «الأفلام الجهادية». إذ استفادت «النصرة» من «الأفلام القصيرة» لـ«شبكة مراسلي المنارة البيضاء»، فيما حرص تنظيم «داعش» على مشاهدة البيئة اللصيقة به إصداراته. فعرض «لهيب الحرب»، و«حرق (الطيار الأردني معاذ) الكساسبة»، و«صليل الصوارم»، وعشرات الأفلام الأخرى التي عكست قوّته ودمويته، وطوّعت العديد من الشباب للالتحاق في صفوفه، بحسب أحد شرعيي التنظيم.
ويفرّق أبو عبد الرحمن، وأبو صهيب، كلٌّ على حِدة، بين «ملتقى الشباب/ الرجال» و«ملتقى الأطفال/ الفتية». فالتنظيمات سعت لأن يكون للطرف الأخير «خيمه الخاصّة»، يتعلّمون فيها «قراءة القرآن، وأصول الدين الحنيف وأحكامه، وأركان التوحيد ونواقضه (بمعنى آخر متى نُكفّر الآخر)». ويشاهدون أيضاً «إصدارات التنظيم المرئية وينشدون أناشيده».
أما «المهاجرون» فيسعون للتقرّب من أطفال البلدة المشاركين في «الملتقى»، فـ«يلعبون معهم ألعاباً بسيطة، فكرية، قائمة على تشغيل العقل، لينبذوا تلك الألعاب الكفرية التي يروّجها أعداء الإسلام بين أطفالنا». ويضيف الطرفان أن «الأطفال يخرجون من الخيم حاملين هداياهم، ومرددين أناشيد الجهاد، آملين أن يصبحوا مجاهدين».




«داعش» و«النصرة» يتفقان

رغم الدّم بين «أخوة الجهاد» سابقاً وقطع العلاقات بينهما، إلا أن «داعش» و«النصرة»، كلّ على حدة، أقرّ حملة «رمضان 2016» بعنوانٍ موحّد. وجاءت تسمية الطرفين للشهر بـ«شهر الفتوحات». فأعلن «مكتب الدعوة والإرشاد – جبهة النصرة» عن مضامين حملته على مواقع التواصل الإجتماعي، إذ جاءت «الخيم» على رأس قائمتها، على أن تتخلّلها «مسابقات دعوية، ورمضانية، ودروس دينية، وحلقات علمية، وعروض مرئية».
أما تنظيم «داعش» فرأى في رمضان بوابة استقطاب للشباب (المهاجر والأنصار)، بالتوازي مع المعارك التي يخوضها. فأطلق حملته بعنوان «شهر الفتوحات» التي أعاد فيها «تاريخ تقدّم المسلمين في الأرض منذ عهد النبي إلى يومنا الحاضر»، مؤكّداً على أن الشام والعراق هما أرض «الجهاد والشهادة... فسارع يا أخي لتكون من المجاهدين الشهداء».





المحيسني: بطل «الخيم» بلا منازع

لا شكّ أن القاضي العام وعرّاب «جيش الفتح»، السعودي عبد الله المحيسني هو الوجه «الدعوي» الأبرز على الساحة السورية. فهو يتمتع بكاريزما تختلف عن أقرانه من قادة الفصائل، ما جعل منه «مغناطيساً» للشباب الذين تأثروا به منذ وصوله إلى سوريا عام 2013. وأسس المحيسني مركز «دعاة الجهاد» للدعوة والتحريض على قتال الجيش السوري، في مدينة إدلب، وجعل من أريافها مراكز وفروعا له. وأشرف، وبشكلٍ مباشر، على إقامة «الخيم»، وخصوصاً بعد سيطرة «الفتح» على معظم محافظة إدلب في 2015، وزيارتها بشكل دوري، بمواكبة إعلامية لمركزه.
ومع تقدّم الجيش السوري، مطلع العام الجاري، في ريف حلب الجنوبي، أعاد المحيسني بناء «الفتح»، بدعمٍ تركي، فأطلق «حملة إنفر»، داعياً إلى تجنيد عشرة آلاف شابٍّ لاستعادة ما خسروه. فتوسّعت الحملة من الميدان إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ووصلت حدّ التواصل الهاتفي لـ«ترتيب الهجرة لنصرة أهل الشام». وكرّس المحيسني نفسه كوجهٍ «معتدل» بين «الجهاديين»، يعمل على لمّ شملهم، وحل الخلافات فيما بينهم، بصفته «القيادية والشرعية»، وخصوصاً مع حضوره الدائم مع جمهور «الفتح»، واحتكاكه المباشر معهم في «الخيم» و«الملتقيات».