يقضي المخطط التوجيهي الأول لحرج بيروت أن يكون موقف السيارات الحالي لرواد الحرج تحت الأرض، على أن تكون المساحة فوقه مُشجّرة وتدخل ضمن مساحة الحرج. ذرائع كثيرة استخدمتها المجالس البلدية المتعاقبة للإبقاء على "واقع" الموقف وعدم ضمّه إلى المساحة الحرجية، ليأتي مشروع بناء المستشفى عليه (http://www.al-akhbar.com/node/259495) تتمةً لمسار التعدي الممنهج الذي طاول الحرج وقلّص مساحته تدريجاً إلى أقل من 300 ألف متر مربع، بعدما كانت تبلغ نحو مليون متر مربع.

ففي 23/3/2016، أصدر المجلس البلدي القديم قراراً (رقم 170) في جلسة استثنائية، ووافق على طلب سفير مصر بـ"تخصيص الموقع الخاص بموقف السيارات أمام مسجد جمال الخاشقجي بجوار حرج بيروت كجزء من العقار رقم 1925 المزرعة لإقامة المركز الطبي العسكري (..)". وبالتالي أقر "تخصيص مساحة 2000 متر مربّع من العقار المذكور (..) لمدّة سنتين قابلة للتجديد لإقامة المستشفى الميداني العسكري عليه". (للاطلاع على القرار اضغط هنا).
اللافت هو ما تُشير اليه جمعية "نحن"، من أن العقار المُشار اليه في القرار "يختلف عن مكان المباشرة بتنفيذ الأعمال"، معتبرة أن ما يحصل "يُشكّل مخالفة صريحة للقانون".
هذا القرار، لا يُخالف القانون الذي يمنع البناء على الأملاك العامة فحسب، بل يأتي "شاهداً" جديداً على "سلوك" البلدية في التعاطي مع الحرج كـ "ملك خاص" يتيح لها التصرّف به كما تشاء، لا ملكاً عاماً يقوم على مبدأ انتفاع المواطنين منه وحقهم في استعماله بشكل حر.

وزارة الصحة تغضّ النّظر!

يلمّح وزير الصحة العامة وائل أبو فاعور، في اتصال مع "الأخبار"، إلى أن الوزارة "تغضّ النظر" عن مسألة الترخيص القانوني للمستشفى، خوفاً من أن "تُلغى الهبة المصرية في حال المماطلة في إنشاء المبنى". ويُضيف أبو فاعور في هذا الصدد: "المكان المخصّص للمستشفى كان مقرّراً في منطقة الجامعة العربية، لكن المجلس البلدي السابق اختار العقار الملاصق للحرج كي يُنشئ عليه المستشفى". يُقرّ أبو فاعور بأن العقار قد لا "يكون مناسباً"، لكنه يستطرد: "لكننا بحاجة إلى مستشفيات".
الردّ على هذه "الحجة" يأتي على لسان المهندس المعماري والمصمّم المدني ورئيس لائحة "بيروت مدينتي" إبراهيم منيمنة، إذ يُشير إلى وجود "حلول بديلة وبسيطة، كتأهيل أبنية قديمة واستغلال مبناها بوقت قصير"، لافتاً إلى مبنى مستشفى البربير الذي "نستطيع تأهيله واستخدامه". يرى منيمنة أن المستشفى الميداني صغير، وبالتالي إمكانية إيجاد عقار بديل ليست صعبة. يشير منيمنة إلى "استسهال المجلس البلدي مسألة التعدّي على الحرج، حيث الموقع لا يُسمح بالبناء عليه". ويُضيف: "على المستشفى أن يكون في قلب الكثافة السكانية، كي يكون قابلاً للوصول إليه من قبل المشاة والناس، لا أن يكون على بولفار وأوتوستراد، حيث إمكانية الوصول إليه أصعب!".

أبو فاعور: قد لا يكون العقار مناسباً، لكننا بحاجة إلى مُستشفيات

يُشير منيمنة إلى مسألة الاقتطاع التاريخي من مساحة الحرج، ويقول إن "الأسوأ هو أنه لا توجد أماكن نعوّض فيها المساحة التي يجري اقتطاعها".
من جهته، يرى المهندس المعماري والأستاذ في الجامعة الأميركية ناجي عاصي، أن هناك تخوفاً من أن يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، لافتاً إلى أن هذا الموقف "كان من المفترض أن يكون مُشجَّراً في الأصل لضمّه إلى الحرج وفق ما يُظهره المخطط التوجيهي الأول لحرج بيروت، وأن الموقف يجب أن يكون تحت الأرض"، لافتاً إلى "وضوح القوانين التي تمنع البناء على الأملاك العامة، والعقار المذكور يقع ضمن تصنيف الحدائق التابعة للحرج".
في حديث مع "المُفكّرة القانونية"، يقول محافظ مدينة بيروت القاضي زياد شبيب، إنه لا يرى أن هناك "تعدّياً على الأملاك العامة والمساحات الخضراء"، مُشيراً إلى أن "المستشفى ملك بلدي، وهو سيكون موجوداً في موقف السيارات ومخصّصاً لعامة الناس". وتساءل شبيب: "ما هي الأماكن الأخرى (البديلة للموقف)؟ أليست أملاكاً عامة أيضاً؟ فعوضاً عن أن يوضَع في حديقة ما، أو في مكان مخصَّص للاستجمام، جرى اختيار موقف سيارات". تُفيد المعطيات بأنه يجري التفاوض مع شبيب حالياً من قبل بعض الناشطين لإيجاد عقار بديل، علما أنها ليست مهمة "المجتمع المدني"، بل مهمة المعنيين في الحفاظ على بيئة تحافظ على صحة المُقيمين في المدينة الإسمنتية.

السياق التاريخي لـ«الاستيلاء» على الحرج

عام 1992، قدّمت بلدية "ايل دو فرانس" هبة لإعادة تشجير "حرش العيد". انتهت أعمال إعادة التأهيل عام 1995، لكن الحرج لم يُفتح وقتها بحجة أن "الأشجار لا تزال صغيرة"، وقيل حينها إنه سيُفتح في عام 2005. منذ عام 2005 وحتى أوائل عام 2016، بقي الحرج مُقفلاً أمام الناس، بحجج مختلفة ساقتها البلدية، كان أبرزها "التخوّف من الشحن الطائفي"، علماً أن "ايل دو فرانس" كانت قد ذكرت في أسبابها الموجبة للهبة "إنشاء مساحة مشتركة لاستقطاب الجماهير، والسعي إلى تأمين ظروف إلغاء الطائفية". تخلّل هذه السنوات، مجموعة من القرارات اتخذتها البلدية "تفضح" نياتها وعزمها على تحويل هذه المساحة العامة إلى "جزيرة معزولة" مخصّصة لفئات اجتماعية معينة.
في 5/8/2004، أصدرت بلدية بيروت قراراً (رقم 711) فرضت خلاله على المواطنين شروطاً للدخول إلى مُلكهم العام. بعد عشر سنوات، وفي 15/6/2014 قام المجلس البلدي السابق بتعديل القرار وقرّر السماح للأفراد الذين "يرغبون في ممارسة المشي (حصراً) والذين يبلغون من العمر 30 عاماً" بالدخول إلى الحرج. أمّا الأهالي الحاصلون على إذن الدخول، فيحق لهم اصطحاب أبنائهم الذين هم دون العاشرة، فضلاً عن شروط أخرى تتعلّق بوجوب تعهّد الفرد بالمشي ضمن الممرات فقط، مخالفة بذلك القوانين التي تنص على الحق في استعمال الملك العام بحرية شبه مطلقة (كالقرار الصادر عن مجلس شورى الدولة عام 1966).
خلال سنوات الإقفال، كان يُسمح للأجانب، حملة الجوازات الأميركية والأوروبية والخليجية بالدخول إلى الحرج، لأنهم "ما رح يخرّبوا متل اللبنانية" (وفق ما أخبر أحد حرّاس البلدية إحدى الناشطات التي ادّعت أنها أجنبية). وكرّست البلدية عنصرية وطبقية هدفت إلى إقصاء بعض الفئات الاجتماعية. أمّا أخيراً، فجرى التوصل إلى قرار إعادة فتحه أمام "العموم" يومي السبت والأحد طوال النهار، على أن يُفتح بقية الأيام من الساعة السابعة حتى الواحدة ظهراً. جرت هذه الخطوة التي استدعت "احتفالاً" بمبادرة من جمعية "نحن" وتعاونها مع شبيب.
إلّا أن الذهن "الرأسمالي" للبلدية تجلّى في خطتها "الاستثمارية" للحرج، التي وافق عليها مجلس الوزراء في 18/12/2014 (قرار رقم 62) والتي تقضي بنقل الملعب البلدي من طريق الجديدة إلى الحرج، وإقامته بمواصفات عالمية، مع ما يعنيه ذلك من تدمير مساحات حرجية كبيرة بسبب الاستاد والمدرجات والمرافق لخدمة الجمهور والأندية واللاعبين ومواقف السيارات. وبحسب المُخطط، ستُفرض "بطاقة اشتراك" للدخول إلى الحرج، وسيُقسَّم الحرج إلى أقسام منفصلة بحسب الوظيفة: قسم للرياضة والمشي والركض، وقسم للتنزه، وقسم للأنشطة المرتبطة بالترفيه، بالإضافة إلى حديقة نباتية تصل كلفتها إلى 10 ملايين دولار. هذا التقسيم يشي بفرض البدلات المالية تبعاً للوظيفة، فضلاً عن أنه يضيّق الاستخدام الحرّ للحرج كمساحة عامّة مفتوحة. (http://www.al-akhbar.com/node/225224).
كانت مساحة الحرج تبلغ نحو مليون متر مربّع، لتصل حالياً بفعل عمليات القضم والوهب المُدرج ضمن المحاصصات الطائفية إلى نحو 300 ألف متر مربع، وهو يُشكّل المساحة الخضراء الفعلية في المدينة. يُدرج عدد من المُتابعين مسألة بناء المستشفى ضمن سياق "الاعتداء المُستمر" على الحرج، ويرونها مخالفة واضحة للقانون الذي يمنع البناء على المُلك العام.




الاعتصام اليوم

حفاظاً على ما بقي من مساحات خضراء في بيروت، واستنكاراً لمحاولة إنشاء المستشفى الميداني العسكري المصري على أرض حرج بيروت غير المخصصة للبناء، دعت «حركة الشعب» إلى اعتصام رمزي يوم غد الأربعاء، الساعة ٥:٣٠ أمام حرج بيروت (مقابل الموقع الذي تقام عليه الإنشاءات)، وذلك رفضاً لهذا «التعدي الصارخ على حقوقنا كمواطنين».