أطفأ النائب سامي الجميل أمس شمعته الأولى رئيساً لحزب الكتائب. سنة مرّت تمكن خلالها من نقل حزب جدّه المؤسس بيار الجميل إلى المكان الذي يريد: حزب معارض يريد أن يركب موجة التغيير التي بدأت تصيب أطيافاً من المجتمع اللبناني، مُعلناً استقالة وزيري الحزب سجعان القزي وآلان حكيم من الحكومة، ليتبين أن الوزير الثالث رمزي جريج، المحسوب من حصة الكتائب، «عيارة».

قبل ذلك، ومنذ سنتين تقريباً، عاش الجميّل وفريقه صراعات مع والده الرئيس أمين الجميل. مُعظم رغبات النائب الشاب كانت تلقى معارضة «الجيل العتيق»، فظهر وكأنه قائد لواء «لبناننا» داخل الحزب التقليدي. برز هذا الخلاف خلال فترة تأليف حكومة تمام سلام، يوم أراد منسق اللجنة المركزية المستقيل، في حينه، الاستقالة من الحكومة اعتراضاً على بيانها الوزاري. إلا أن تصويت المكتب السياسي خذله، فقرر الاعتكاف ريثما يُصبح القرار مُلكه.

يرى الحزب أن وجوده في السلطة بدأ يستهلك رصيده الشعبي

منذ تسلمه مهماته، شلح الجميّل على كتفيه رداء «المجتمع المدني»، طارحاً نفسه مُمثله داخل الحكومة، علماً بأن مكوّنات هذا «المجتمع المدني» دائماً ما تلفظ الكتائب بعيداً عنها، مُتهمة إياه بأنه حزب طائفي وإقطاعي. خلق «المرصد اللبناني للفساد» (يرأسه مستشاره شارل سابا) بهدف «الرصد والمتابعة والمحاسبة»، حتى يُضفي شرعية أكبر على عمله. وظهر كأنه «فصيل معارض» يتحين الفرصة للتنصل من حكومة الشراكة الوطنية. رغم ذلك، لم يتمكن الجميل من تبرئة نفسه من التهم التي التصقت به، خاصة: المواربة والانفصام في المواقف. هو الذي عوّد الرأي العام أن يرفع من سقف تهديداته السياسية، قبل أن يهدّه بنفسه، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التشكيك حتى قبل دقائق من مؤتمره الصحافي: «أكيد بدّو يستقيل؟».
النتيجة التي توصل إليها الكتائب أمس لم تكن وليدة لحظتها. هُيّئ لها بعد انسحاب القزي وحكيم من جلسة الحكومة الأسبوع الماضي اعتراضاً على إقرار بند النفايات. إلا أن «الجميليين» تريثوا إلى حين انعقاد المكتب السياسي. هذه المرة لم يخذل الأعضاء تطلعات الفتى الكتائبي، فأيّد 24 منهم قراره في حين اعترض ثلاثة، هم: القزي، إيلي داغر وسمير خلف، بحجة أنّ «المطروح حالياً هو مصير البلد وهذه الاستقالة هي شغور إضافي في المؤسسات». اجتماع الاثنين امتد نحو ثلاث ساعات ونصف ساعة، قدم خلاله الجميّل مطالعة «بالعمق حول المشكلة التي وصلنا إليها، وهي انحدار المستوى السياسي في البلد والتجاوزات التي لم نعد قادرين على التصدي لها». هي إذاً ليست أزمة نفايات وسدّ جنة ومعارضة لتعيينات معينة. النظام اللبناني يتهاوى وحزب الكتائب قرر التفلت منه، علّه ينجح في عدم السقوط معه.
نفذ رجال «الله والوطن والعائلة» هذه المرة تهديداتهم لأنّ «الجو بدأ يتغير. سابقاً، كان المكتب السياسي برئاسة أمين الجميل الذي يتماهى معه جيل من الكتائبيين الذين عاشوا فترة طويلة خارج السلطة، يعرفون مرارة هذا الخيار ويخافون من أن يتكرر». على العكس من الجيل الجديد، الذي يُحاول أن يضفي نكهة جديدة على حزب الثمانين عاماً، «نحن نهوى المعارضة».
على الرغم من أنه «لم يسبق أن تراجع المكتب السياسي عن قرار صوّت عليه»، إلا أن الحزب لم يحسم بعد إمكانية عودته عن استقالة وزيريه إذا ما وُجدت فتوى سياسية. لا يعتبر الكتائب نفسه مسؤولاً عن أي شغور إضافي في المؤسسات، «كان وجودنا مفيداً حين كنا قادرين على التعطيل، ونحن تمكنّا من إيقاف عدد من التجاوزات. ولكن، بعد وضع شرط وجوب اعتراض مكوّنين من الحكومة، بدأ وجودنا في الحكومة يستهلكنا شعبياً». شحذ همّة الجماهير عُنصر لا يكف عن إقلاق الكتائبيين، الذين وجدوا «انطلاقاً من الانتخابات البلدية والحراك المدني فئة من المجتمع قادرة على أن تُحاسِب. علينا أن نستثمر هذا الوعي ونفيد المجتمع المدني بكوننا حزباً منظماً». الخطوة التالية بعد الاستقالة هي «العمل على الأرض مع الناس من أجل أن نُبعد عنا تُهمة الازدواجية. هناك نبض جديد في الحزب ونحن مرتاحون».
نفَس «لبناننا» الذي يُخيّم على الفريق الكتائبي الجديد، لا يلغي «النقمة» على هذه الخطوة من داخل الحزب نفسه. أصوات خافتة تسأل «هذه الخطوة ترضي أي جمهور؟ جمهور "بدنا نحاسب" وشربل نحاس؟ الخطوة لم تلقَ ترحيباً عند أحد». في ظلّ الريح «الثورية» التي تعصف بالصيفي هذه الأيام، تجد هذه المجموعة أن الأفضل الالتزام، مكرهة، بالقرار الحزبي، من دون أن تستبعد أن يكون الهدف منها «التحضير لانتخابات عام 2017 النيابية». تصف الخطوة بأنها «موقف سياسي والوزيران سيُصرّفان الأعمال. لا يوجد رئيس جمهورية، لمن يُقدمان الاستقالة؟». "عا دعسات" وزير العدل المستقيل أشرف ريفي يمشي الكتائبيون.
وكان الجميّل قد أعلن في مؤتمر صحافي الاستقالة من الحكومة لأنها «تحولت من رمز استمرارية الدولة الى رمز هريان ما تبقى من الدولة»، متهماً الوزراء بأنّ «همهم تمرير صفقات مشبوهة على مشاريع عليها مئة علامة استفهام». وقال: «كنا سنستقيل، ولكن الناس منعونا من ذلك، وعضضنا على الجرح ودفعنا من رصيدنا الشعبي ومن كل ما يكوّن شخصيتنا لنبقى في خط المواجهة داخل الحكومة، إلا أننا شعرنا أنهم يحاولون تدجيننا ووضعنا في علبة... هذا النمط السياسي لا يشبهنا». إلا أنّ الاستقالة ليست «استقالة من معركة بناء لبنان الذي يشبهنا... المعركة مستمرة ليس فقط على أداء الحكومة، بل على أداء طبقة سياسية فشلت».