في الأيام القليلة الماضية وُزّع في الولايات المتحدة بيان يستحق الترجمة حرفياً. يقول: "36 منهم متهمون في قضايا عنف منزلي. 7 منهم سبق أن أوقفوا بتهم تزوير. 19 منهم سبق أن اتهموا في قضايا شيكات بلا رصيد. 117 منهم أفلسوا مباشرة أو مداورة عملين اثنين على الأقل. 3 منهم أمضوا عقوبة بتهم اعتداء. 71 منهم، نعم 71 منهم، لا يحق لهم الحصول على بطاقة ائتمان لأسباب قضائية. 14 منهم سبق أن أوقفوا بتهم متعلقة بمخدرات. 8 منهم سبق أن أوقفوا بتهمة السرقة. 21 منهم يخضعون حالياً لمحاكمات كمتهمين. و84 منهم سبق أن أوقفوا بتهمة القيادة ثملين... كل ذلك العام الماضي فقط. عن أي منظمة نتحدث؟ لاعبو اتحاد كرة السلة الأميركية؟ لاعبو اتحاد كرة القدم الأميركية؟ خطأ. إنهم أعضاء الكونغرس الأميركي الـ 535. هم من يصدر مئات القوانين التي تنظّم حياتنا كل سنة. تذكروا جيداً أن معظم هؤلاء يخوض معارك لإعادة انتخابه هذه السنة!".

حين تقرأ بياناً موثقاً كهذا، يقفز تفكيرك فوراً إلى أن المعنيين بتلك الوقائع بالذات هم الذين أصدروا منتصف كانون الأول الماضي قانون "هيفبا" لملاحقة تمويل حزب الله، وهو القانون الذي يكاد يفجر بلدك! ليس لأن قيادة الحزب تهدّد بذلك أو تبتزّ أو تهوّل أو تقايض. ولا لأن ميكانيكية الأمور كما تفرضها نتائج هذا القانون وتداعياته ستؤدي حتماً إلى الصدام الذي يولّد التفجير حكماً. بل لأن هناك سلطات رسمية لبنانية كاملة استقالت من دورها ومسؤولياتها، ولأن هناك، في المقابل، هذا الكونغرس بالذات، كما يصفه المواطنون الأميركيون أنفسهم. شقان يستحقان شيئاً من البحث، بما يوازي خطورة الموضوع وفداحة عواقبه على الأقل.
فحول إشكالية السلطة التشريعية في الولايات المتحدة الأميركية، قد يتساءل البعض: كيف لمجموعة كهذه من البشر أن تقود دولة عظمى؟ الجواب بسيط. إنها "الديمقراطية". وتحديداً على الطريقة الأميركية. ديمقراطية المراقبة والتوازن. كل موقع في النظام الأميركي، أكان منصباً أو مؤسسة، يقابله من يراقبه ويوازنه ويوازيه. وفي هذه الديمقراطية الخاصة، أكثر ما يوازن الكونغرس ضمن آليات التدقيق والتعديل والتصحيح، هو نظام اللوبي. أياً كان الإجراء الذي يتخذه هذا الكونغرس، ضد أي طرف أميركي داخلي أو أجنبي خارجي، يمكن للطرف المعني أن يوازنه عبر نظام اللوبي. يذهب إلى واشنطن، يلعب اللعبة، عبر مؤسسات وتمويل وشكليات ومقاربات. في النهاية يصل إلى أعضاء الكونغرس الموصوفين أعلاه، ويسعى إلى إقناعهم بحقه، أو بظلمهم له!
يؤكد أحد العارفين بمجمل مراحل التفاوض الأميركي ــــ اللبناني حول قانون "هيفبا" أن السلطات الحكومية اللبنانية لم تعمل لحظة واحدة جدياً على استثمار هذا الجانب في النظام الأميركي لصالح لبنان. الوفود التي زارت العاصمة الأميركية كانت مقيّدة بشكل كامل في خطابها ومرافعاتها. مقيّدة أولاً بحكم تركيبتها السياسية التي ضمّت من ليس لديه أي رغبة ولا نية ولا مصلحة في الدفاع عن حزب الله. ومقيّدة ثانياً بحكم موقع القرار الأميركي المعادي للحزب. بما فرض على تلك الوفود أدبيات عامة لا يمكن الخروج عنها. اقتصر الكلام كله على كيفية تجنيب لبنان عواقب القانون. غير أن أي كلام حول خلفيات القانون وأهدافه الفعلية، لم يطرح ولم يبحث. لم يُحكَ جدياً، كما تؤكد معلومات واشنطن نفسها، أن مفاعيل القانون المذكور لا تعني حزب الله. لا بل هي تطاول كل لبنان، إلا حزب الله. فهي تستهدف مئات آلاف المواطنين أولاً. عشرات آلاف الطلاب ثانياً. وأكثر من خمسين مليار دولار شيعية ضمن موجودات مصارفنا ثالثاً. وثلث تحويلات لبنان من الخارج سنوياً، آخر أنابيب أوكسيجين نظامنا المحتضر. فضلاً عن استهداف استقرار يبدأ مصرفياً، ثم يتدحرج في اختلاله ليتحول مالياً فاقتصادياً فنقدياً فسياسياً فاجتماعياً، وصولاً حكماً عند الهاوية والانهيار، إلى الاختلال الأمني.
أكثر من ذلك، يهمس بعض أهل واشنطن، أن جهات أخرى كانت تزور واشنطن، وكانت تقدم المعلومات والتوجيهات والنصائح والمخططات، حول كيف يمكن أن يُضرب حزب الله أكثر. وأين تكون الضربة أشد أذية وأوثق مقتلاً. وأن تلك المعطيات المقدّمة تطوعاً، هي ما جعل القانون وتعليماته التطبيقية الصادرة في 15 نيسان الماضي، تأتي كما جاءت. لأن هناك من فكّر وقال للبعض في واشنطن إن ضرب بيئة حزب الله هو المدخل لتأليب هذه البيئة ضد حسن نصرالله. حتى أنه يروى أن بعض القراءات المصرفية التي قدمت إلى واشنطن في هذا المجال، كانت مطابقة لقراءات سياسية وعسكرية وأمنية سابقة، قدمت في عقود مضت، في أزمنة الحروب والجنون وغرائز البقاء...
الآن باتت الأمور هنا. حيث المخاطر صارت جدية وكبيرة. لا يمكن لحزب الله أن ينكسر. ولا يمكن لبيئته أن تضرب. ولن يتراجع الكونغرس الأميركي غداً ولا بعده عن قانونه ولا عن الغرض منه. لا يبقى إلا ما كررناه مراراً: أن تتحمل الحكومة اللبنانية مسؤولياتها، وأن تقدم من الثغرة الوحيدة المتاحة: الفقرة 2208 من القانون. فليقرأها أهل حكومتنا قبل فوات الأوان، ما لم يكونوا مثل أعضاء الكونغرس!