بين «السيستام»، أي النظام، المهيمن الذي يفرض ثنائيات أخلاقية يُرجَم كل من يسائلها أو يشذّ عنها، في السياسة والثقافة والاعلام، وحيتان الميديا الذين أصبحوا ركائز هذه المنظومة، وجد ريشار لابيفيير نفسه في غربةٍ داخل وطنه. وما كان من هذا الخبير الاستراتيجي، والصحافي المعروف بمناصرته للقضية الفلسطينية والمقاومة، إلا أن حمل مشروعه الصحافي الجديد إلى جنيف، حيث «المناخ أرحب وأكثر تقبّلاً للاختلاف»، بعيداً عن عيون «الأخ الأكبر» الفرنسي. هنا أبصر النور موقع «الشرق الأدنى والأوسط» (www.prochetmoyen-orient.ch)، وهو المنبر الذي أطلقه لابيفيير قبل نحو عام ونصف عام، بغرض تقديم قراءة لصراعات المنطقة وقضاياها، مغايرة لتلك السائدة في الخطاب الاعلامي الفرنسي.

لا يغالي صاحب كتاب «عندما تستيقظ سوريا»، في رسم المشهد في بلده الذي لم يعد يتقبّل وسيلة إعلامية تنطق بما هو مختلف. يشرح ما حلّ بالاعلام الفرنسي خلال العقد الأخير: «لقد انتقلنا من الإعلام، إلى بناء منظومة أخلاقية، إلى البروباغندا، فالهيمنة ثم الرقابة». لم تعدِ الصحف الفرنسية تريد تقديم المعلومة للمتلقّي، بل أصبحت تريد أن تعلّمه كيف يفكّر.
أرسى الاعلام الفرنسي في السنوات الماضية «كاتالوغ» من الثنائيات التي لا تحتمل خياراً ثالثاً: أنت تنتقد إسرائيل إذاً أنت معادٍ للسامية. أنت لم تتبنَّ شعار «Je suis Charlie» بعد الهجوم على مجلة «شارلي إيبدو» في كانون الثاني 2015، إذاً أنت مع الإرهاب. أنت لم توافق الأديب أمين معلوف على ظهوره الأخير على قناة إسرائيلية، إذاً أنت تطلق رسالة كراهية.
يعني أنك في وطن فولتير اليوم، بإمكانك أن تعبّر، ولكن فقط من داخل الخطاب الأحادي الذي يفرضه «السيستام». فأنت تتمتع بحرية التعبير والنشر، ولكن داخل سجن المنظومة. يرعى هذا المشهد ما يشبه أوليغارشية إعلامية، إن جاز التعبير، قوامها باتريك دراحي، الملياردير الفرنسي الاسرائيلي، وشركة «داسو»، وحفنة صغيرة من أصحاب وسائل الاعلام والصحف الباريسية التي يرى لابيفيير أنها تشهد سقوطاً كبيراً بعد تخلّيها عن مهمتها الأصلية.
الرؤية السوداوية لواقع الاعلام في بلده، لم يتوصّل إليها لابيفيير بالمراقبة فقط، بل ثبّتتها تجربته الخاصة، حين فُصل من عمله في «إذاعة فرنسا الدولية» (RFI) سنة 2008، بعد إجرائه مقابلة مع الرئيس السوري بشار الأسد. كان ذلك قبل الأزمة السورية وقبل «الربيع العربي»، أي قبل تحديث «الكاتالوغ» الإعلامي الذي يحتكر الحقيقة، ويرسم الحدود الفاصلة بين «محور الخير» و«محور الشرّ». ومع ذلك، كان إعطاء الأسد فرصةً للتعبير كافياً لإزاحة لابيفيير من المشهد الاعلامي الفرنسي. بالنسبة إليه، كانت المقابلة حجةً لفصله من عمله، بعدما ضاقت كريستين أوكرنت ذرعاً بمواقفه كافة، وكانت المديرة العامة لـ«الاعلام الفرنسي الخارجي» ذلك الوقت، وزوجة الـ«فرنش دكتور» والوزير آنذاك برنار كوشنير.
في الوقت الراهن، يرى الصحافي الماركسي أن مشروعه الالكتروني هو وسيلة لمقاومة الخطاب الفرنسي السائد. ولكن كيف ستتبلور هذه المقاومة؟ عبر خلق خطاب بديل يقوم على تحرّي الوقائع في دول الشرق الأوسط من مصادر متعددة على الأرض، عوضاً عن الاتكاء إلى رواية واحدة، أي إنه يقوم بكسر الثنائية الأخلاقية التي «أنزلت الصحافة الفرنسية إلى الحضيض».
«أنا لن أعيد كتابة ما تكتبه الصحافة الفرنسية عن المنطقة»، يقول لابيفيير. يكتب في الموقع دبلوماسيون وعسكريون تحت أسماء مستعارة. هنا، يعود صاحب كتاب «دولارات الإرهاب: الولايات المتحدة والإسلاميون» إلى مهنته القديمة، حين كان يرأس تحرير مجلة «الدفاع» العسكرية، ليشير إلى أن الخبرة العسكرية تؤدي الدور الأهم في مقاربة الصراع في المنطقة. لا يدّعي لابيفيير أن موقعه سيكون في القمة، لكنه يرى من الضروري تقديم قراءة مختلفة للحدث السوري، والتصدّي لقولبة الوعي والتفكير: «نقدّم رؤية جدلية تعددية، وتغطيةً للحدث السوري بشكلٍ لن يكون بالطبع على طريقة بسمة قضماني أو برهان غليون أو ميشال كيلو، وغيرهم من الأسماء التي لا تزال سردية الصحافة في فرنسا عالقة عندها».
إلى جانب الحديث عن مشروعه، يعرّج الصحافي المشاكس على السياسة الخارجية الفرنسية التي لا تنفصل عن نقاش الحريات، والرؤية الإعلامية بعين واحدة. قالها لابيفيير مراراً: لم يعد لفرنسا سياسة عربية بين سياساتها الخارجية، بل «سياسة سنّية»، ذلك ما يتحكم في أدائها في الشرق الأوسط. «في السابق ركع نيكولا ساركوزي أمام قطر، واليوم يفعل هولاند الشيء نفسه أمام السعودية». يحكي لابيفيير عن الإرهاب في أوروبا، ويؤكد أن «مجرمي مولمبيك في بلجيكا هم ثلة من الحمقى الذين لا يعرفون عن الإسلام شيئاً»، إلا أنهم يرتادون المساجد السلفية التي تموّلها السعودية. في حي مولمبيك وحده، في بروكسيل، 30 مسجداً سلفياً. كذلك الأمر في فرنسا التي تشرّع منابر مساجدها للتحريض. ومع ذلك «فإن قيمة عقود التسلّح بين باريس والرياض التي تربو على 40 مليار دولار»، كفيلة بجعل رئيس الجمهورية ووزير الخارجيّة يغضّان الطرف عن تمويل السعودية للتطرف في العالم.

الصحافي المعروف من ضحايا الثنائية الأخلاقية التي «أنزلت الصحافة الفرنسية إلى الحضيض»

أما بالنسبة إلى التنظيمات المتطرفة في سوريا والعراق، فيرى لابيفيير أنه بالرغم من احتمال استعادة مركز «الخلافة» قريباً في ظلّ السباق نحو الرقة، فإن الأزمة لن تُحلّ، ما دام اللاعبون هم أنفسهم: الوهابية ومالها، والسياسة الاميركية التي تعمل على إدارة التنظيمات المتطرفة للاستفادة منها. «هناك 30 ألف جهادي في سوريا، هؤلاء بالطبع لن يقتلوا كلهم ولن يسجنوا. فأين سيذهبون؟ الوهابية ستعيد إنتاج الاسلام المتطرف، ما دامت السعودية باقية، بإرادة الأميركي، كمجلس إدارة يرعى تنفيذ مصالحه في المنطقة». وفيما يقول لابيفيير إن الأميركيين يريدون فدراليةً في العراق وسوريا، على غرار كردستان العراق، يرى أن روسيا تسعى إلى استعادة الأراضي السورية كاملةً إلى سيادة الدولة. لذلك، يمكن القول إن معركة الرقة الآن ستحسم إلى حدٍّ ما أيّاً من المشروعين سوف ينجح.
صاحب كتاب «مجزرة إهدن أو لعنة المسيحيين العرب» الذي يزور لبنان في مثل هذا الوقت من كل عام للمشاركة في إحياء ذكرى المجزرة، واغتيال طوني فرنجيّة وعائلته، لا يمكن ألا يُسأل عن رؤيته لحال المسيحيين في المنطقة، بعد كل ما شهدوه في الأعوام القليلة الماضية. ويستذكر لابيفيير هنا زيارة البطريرك بشارة الراعي لباريس حاملاً وثائق عن جرائم «داعش» بحق المسيحيين في سوريا والعراق، ليلقى الجواب التالي من وزارة الخارجية: «ما يهمنا هم فقط مسيحيّو العراق، أما مسيحيّو سوريا فهؤلاء يؤيّدون بشار الأسد».
ويذكّر بأن تهجير المسيحيين من هذه المنطقة هو رغبة إسرائيلية قديمة: «الاسرائيلي يفضّل الإسلام الجهادي على وجود المسيحيين»، لأن وجودهم يمنعهم من إقامة دول إثنية. يشير إلى أن معظم الوطنيين والقوميين العرب تاريخياً هم مسيحيون، من ميشال عفلق إلى جورج حبش وغيرهما. لكن المسألة ليست في أن تكون مسيحياً، بالنسبة إليه، بل في أن تكون عربياً، أي أن تحمل مشروعاً وطنياً عابراً للطوائف. أما بالنسبة إلى المسيحيين في لبنان، فينفعل الصحافي الفرنسي مستغرباً كيف يوافق هؤلاء على الاتفاق الأخير بين ميشال عون وسمير جعجع. يتساءل لابيفيير المؤيّد لانتخاب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية، هل يظن العونيون أنهم «سيأكلون» جعجع؟ بعد رحيل الجنرال، سينتهي التيار، يجزم. جبران باسيل لن يستطيع أن يفعل شيئاً، ما سيفتح المجال أمام جعجع للاستحواذ على جمهور التيار. «موارنة لبنان مجانين»، يقول لابيفيير، مستعيراً من صديقه المفكر جورج قرم قوله إن «هؤلاء عليهم لعنةٌ، هم لا يريدون سوى السلطة والمال».