للصمت وقع اكبر بكثير من دوي اي انفجار.

هكذا هي حال المصارف وحزب الله بعد التفجير الارهابي الذي استهدف المركز الرئيسي لبنك لبنان والمهجر، الذي حصرت التحقيقات فيه بفرع المعلومات في قوى الامن الداخلي، في خطوة قضائية غير مفهومة. وكأن المقصود ان اي نتائج يتوصل إليها التحقيق ينبغي ألّا يطّلع عليها أي جهاز آخر، لأن الانقسام السياسي يسري على الاجهزة الامنية، فيحصل تضارب في الاولويات. وبحسب مصادر امنية مطلعة، فقد توصّل فرع المعلومات الى «نتائج اولية مهمة في التحقيقات، وبات ممكناً تحديد الاطار العام، وصولا الى اعلان الاشتباه بجهة ما، لكن السؤال: هل تخرج نتائج هذه التحقيقات الى العلن قريبا ويتسلمها القضاء المعني، ام سيجري الحجر عليها؟».

بنك لبنان والمهجر كان قد درس ملف حماية مقارّه قبل التفجير

في هذا الجانب، ربما ينبغي التذكير بأن التحقيقات اخذت في الاعتبار العناصر الجرمية المتصلة بمسرح الجريمة، وما اظهرته داتا الكاميرات والاتصالات، ومعلومات شهود العيان، والمسح الامني الشامل للمنطقة لايام عدة سبقت موعد التفجير، وفي الايام التي تلته، ربطا باحتمالات تقليدية بأن المجرم لا بد ان يترك اثرا او يعود ليتفحص مسرح جريمته. لكن الفرضيات، هنا، تصبح هي الاهم، في تحديد مسارات التحقيق. وفي هذه الحال، كان البحث يقوم على الآتي:
اولاً: هناك انقسام سياسي وخلاف كبير بين حزب الله والمصارف عموما، وبنك لبنان والمهجر في شكل خاص. والحزب يملك المقدرات لتنفيذ عمل كهذا، وهو، بالتالي، على رأس لائحة المشتبه بهم. لكن ذلك يحتاج الى أدلة قاطعة، وإلا بقي في اطاره السياسي الذي لا يفيد احداً.
ثانياً: في حالة الاتهام الجاهز لحزب الله، فان هناك احتمالاً لقيام جهة معادية للحزب بتنفيذ الجريمة، مستندة الى أن الضرر السياسي الاكبر سيلحق به. والجهات المعادية للحزب، في لبنان والمنطقة، تمتلك الامكانات لتنفيذ مثل هذا العمل.
ثالثاً، هناك فرضية، تبدو ضعيفة بالنسبة لكثيرين، لكنها قائمة، بفعل عامل المستفيد من الجريمة. وهنا تبرز لائحة شركات تقدم خدمات امنية لمؤسسات خاصة. وقد تقوم هذه الشركات ــــ وهو احتمال ــــ بعمل من شأنه رفع مستوى الحاجة اليها. وخصوصاً ان المعلومات التي تجمّعت لدى المحققين، تفيد بأن ادارة المصرف المستهدف أثارت هذا الأمر مع بدء السجال حول قانون العقوبات الاميركي، ووصلت الى حد التواصل مع ضباط سابقين للمساعدة على تأمين الحماية لمقرها الرئيسي ولمقارّ اخرى.
رابعاً: هل سيمتنع المعنيون عن كشف هوية الجناة، لعدم تبرئة حزب الله، وبالتالي اخذ الامور نحو مكان اخر؟ ام سيعمدون الى عدم الكشف عن المعطيات، والايحاء بأن ذلك لعدم توتير الاوضاع الداخلية؟ وفي هذه الحالة، فإن هذه الاجهزة تعمل على رفع منسوب الاتهام للحزب؟
ماذا عن المشكلة الاصلية؟
في انتظار تبلور الصورة الامنية، يبقى النقاش حول أصل المشكلة، وخصوصاً ان الجميع يسأل عن سبب صمت حزب الله، وعدم اصداره حتى بيان استنكار للجريمة. وسط توترات كبيرة، ربطا بممارسة واشنطن، ومعها دول اوروبية والسعودية، المزيد من الضغط على المؤسسات المصرفية، للسير في تطبيق برنامج العقوبات الاميركي، مع التلويح بأن عدم الخضوع سيهدد الاستقرار العام في لبنان، وسيتسبب بأذى كبير للقطاع المصرفي على وجه الخصوص.
حزب الله يرفض التحدث عن موقفه، وعمّم على كل مسؤوليه عدم التعليق الامر. لكن المناخ السائد في اوساطه، يشير الى ان لقرار الصمت ما يبرره. فالجميع يعتقد بأن على الحزب خوض معركة حماية القطاع المصرفي، الآن، لانه المتهم الرئيسي بعملية التفجير، ومن شأن استنكاره وتحركه تخفيف الحملة عليه وتوسيع الابواب لايجاد حلول. فيما لا يرى هو نفسه في دائرة الاتهام. بل، على العكس من ذلك، يرى أنه المتضرر الاول، وقبل القطاع المصرفي. اذ لم يجر تحميل المصارف اي مسؤولية عن سياساتها، التي قد تكون السبب وراء افساح المجال امام من يريد اذية الحزب للقيام بالتفجير. أضف الى ذلك: لماذا على الحزب أن يعرب عن تعاطفه مع مصارف، تتشارك مع الادارة الاميركية في تنفيذ العقوبات ضده وضد جمهوره، وهل هناك منطق يلزمه القيام بخطوة كهذه؟
كما ان حزب الله لم يتصرف على اساس انه في مشكلة مع القطاع المصرفي. فهو يدرك ان الولايات المتحدة هي من يشن الحرب عليه، ويتفهم ان تبذل كل جهودها لايذائه، لكن ما الذي يدفع المصارف، او بعضها، الى التعاون مع الاميركيين في تنفيذ هذه المهمة القذرة. ولماذا يعتقد البعض بأن على حزب الله وجمهوره تفهم ما يقول المصرفيون انها «حالة احراج» يواجهونها؟
لماذا يتعاطف حزب الله مع «مشاركين» في جريمة العقوبات الأميركية

باختصار، لا يعتقد حزب الله انه معني بالامر لا من قريب ولا من بعيد. وما يهمه، فقط، هو الا يشارك لبناني في الجريمة الاميركية، وان يفكر اللبنانيون بمصالح بلادهم قبل مصالح الغرب، وان يراجعوا كل المراحل السابقة، ويدركوا أن الاستجابة للضغوط الاميركية لن تفيد في شيء. فلا المقاومة ستحاصر، ولا هي ستغير من برامجها واولوياتها، بينما سيدفع الناس الثمن.
التهديد بالفوضى وعن أيّ استقرار يتحدثون؟
وفي سياق هذا الجدال، يخرج من اللبنانيين، سياسيين وامنيين ومصرفيين، من يبرّر المشاركة في تنفيذ قانون العقوبات الاميركية، بأنه لمنع معاقبة كل اللبنانيين، ولتجنيب البلد الوقوع في الفوضى. ويلجأ هؤلاء الى تعابير من نوع انه إذا واجه لبنان اميركا، فسيكون استقراره مهدداً، وان الغرب يقول صراحة ان استقرار لبنان في خطر.
لكن، ما هي الفوضى التي يخشونها وما هو الاستقرار الذي سيخسرونه؟ ومن هم الخاسرون اصلا؟
ببساطة، ومن دون لف ودوران، عندما يهدد الغرب لبنان باستقراره، فإنما يذكّرنا بما فعله في منتصف ثمانينات القرن الماضي. عندما رد الاميركيون على طرد جيوشهم وجواسيسهم من لبنان، بتوجيه عملاء لهم في دوائر الحكم لضرب الاستقرار النقدي ما تسبب بانهيار الليرة اللبنانية وتراجع الاقتصاد، كما ردوا بمطالبة العدو الاسرائيلي بتكثيف عدوانه على لبنان، وعملوا على تسعير الحرب الاهلية الداخلية. فهل هذا ما يريدونه اليوم؟ وهل هذا ما يريده من يتعاون معهم اليوم؟ واذا وصلنا الى هذه الدرجة، فكيف يتصورون الوضع على الارض؟
الفوضى وضرب الاستقرار يعنيان، ببساطة، تعريض جميع اللبنانيين، لا بيئة حزب الله فقط، للاذى الاقتصادي والمالي المباشر. وكما حاول تيار «المستقبل» تبرير الخطوات السعودية والخليجية ضد لبنانيين بانها رد على سياسة حزب الله، وتبين انها ناجمة عن الترهل الاقتصادي وسوء الادارة القائم هناك، فان اللبنانيين عموما، وجمهور المقاومة على وجه الخصوص، لن يحمّل حزب الله المسؤولية. علماً انه، ووفق وقائع اليوم، فان حزب الله قد يكون القوة الوحيدة القادرة على ملء اكبر قدر ممكن من الفراغ الذي قد ينجم عن انهيار الدولة. فهو الى جانب حضوره الشعبي الواسع، يمثل مركز الثقل المالي لقوة تشغيلية تناهز المليون مواطن في لبنان، وهؤلاء ليسوا اعضاء الحزب وموظفي مؤسساته فقط، بل كل الذين يوفرون حاجات الناس الاستهلاكية، من بائع الفولارد والسيارة والهاتف والحليب والطحين، الى تاجر السلاح. كما ان لحزب الله علاقات قوية بايران، قد تسمح له بمعالجة مشكلات مزمنة لم تعالجها الدولة بسبب الفساد والسرقة. وسيكون بمقدور ايران، خلال شهور قليلة، تنفيذ برامج ضخمة توفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة لكل من يعيش في مناطق نفوذ الحزب.
وإذا كان الغرب يفكر في أن الازمة الاقتصادية ستتسبّب بانهيار الدولة ومؤسساتها، فان حزب الله هو القوة الوحيدة التي تملك المقدرات الامنية والعسكرية التي تتيح لها الامساك بمناطق كبيرة من لبنان، وفي حالات تحالفاته القائمة، فان نفوذه سيتمدد ليشمل غالبية لبنان، ما عدا بعض المناطق، من بينها الشمال، وهو الذي لن يكون مستقرا للطرف الاخر، بل سيكون ساحة حروب اهلية مدمرة.
حسناً وماذا نفعل بنحو 14 الف اجنبي يعيشون في لبنان، من جنود وضباط قوات الطوارئ الدولية، الى البعثات الدبلوماسية، الى العاملين في حقول اقتصادية واعلامية واكاديمية، الى موظفي المنظمات الدولية وجماعة «المنظمات غير الحكومية»؟ وماذا ستفعل مجموعات الاستخبارات الغربية، الناشطة في لبنان، ليس في مواجهة حزب الله فقط، بل في ما تقوم به من برامج لخدمة عملائها في سوريا، حيث المطلوب واحد، وهو تسعير الحرب هناك.
هل هذا هو الاستقرار الذي يتحدثون عنه؟
ماذا سيحل اصلا بالقطاع المصرفي نفسه. هذا القطاع الذي ارتفع رأسماله منذ عام 1991 حتى الان بمقدار 700 في المئة. وبموجودات وارباح خيالية لم يحصد اي قطاع اخر، بما فيها الدولة، مثلها. هل سيبقى شيء من ميزات القطاع المصرفي اللبناني التي تموت اصلا. هل خضوع المصارف اللبنانية للقوانين الاميركية يبقي شيئاً من السرية المصرفية، التي كسرت اصلا، عندما اباحت حكومة 14 اذار للخارج، تحت ستار المحكمة الدولية، الاطلاع على كل شاردة وواردة في لبنان؟ وهل سيبقى اصلا من يطلب تغذية سندات الخزينة من مؤونات المصارف القائمة اصلا على ودائع المواطنين، ومن سيخسر الارباح الخيالية؟ وهل هناك من عاقل في صفوف المدينين للدولة، بعد الفوضى، من يقدر على سداد قرش واحد من الدين، ام يعتقدون انهم سيتمكنون من وضع اليد على موجودات الدولة، وخصوصا في حالة اللاستقرار؟
ثمة من يحتاج الى قرص اذنه، لا يده، لكي يفهم انه لا يمكن ادخال البلاد في جنون تجربة ثانية كالتي تلت اغتيال رفيق الحريري، وانه بات من الصعب على احد ان يفرض علينا احترامه، لانه قرر الخضوع لخارج، لم يحمل الينا يوما سوى الويلات.