شهران من تقاذف التهم حول تحديد «المعارضة المعتدلة» وتحييد «جبهة النصرة» عنها، بين الروس والأميركيين، و«الحوار» لا يزال في مكانه. أول من أمس، كان تصريح الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي واضحاً، بقوله «إن كان الروس والنظام (السوري) يرغبون حقاً في التركيز على هزيمة النصرة، فنحن نحثّهم على النظر بجدية في مقترحاتنا لتعزيز الهدنة في شمال غرب حلب... ما سيتيح للنظام إعادة توجيه قواته ضد جبهة النصرة في المناطق التي للنصرة فيها سيطرة فعلية على الأرض». متابعة بسيطة للميدان الحلبي توضح أنّ الأميركي يعلم أنّ فصل «المعتدلين» عن «القاعدة» مستحيل. في الريف الجنوبي، يفجّر «القاعدي» نفسه وينغمس «التركستاني»، وتنتشر في الخلف مجموعات عالية التدريب خلف صواريخ «التاو» الأميركية.

الصواريخ ليست غنائم لدى التنظيمات الجهادية. ببساطة يشارك فصائل من «الجيش الحر» المدعومة أميركياً في المعارك «كتفاً إلى كتف» مع مقاتلي تنظيم «القاعدة في بلاد الشام» وأشباههم. غارات روسية على هذه الفصائل تستدعي تسطير البيانات في واشنطن عن «خشيتها من ضرب المعتدلين».
تبدو اليوم «الهدنة» في حلب كمولود لزوجين انفصلا. تبنّاه الأب الروسي وفرضه على حلفائه، وراحت الأم الأميركية تسرح على كيفها.
ما فُرض على محور دمشق، وقبل فيه طوعاً، لتقف أكبر موجة تقدّم للجيش السوري وحلفائه في ريف حلب قبل 4 أشهر، لا ينسحب على الطرف المقابل، حيث يختلط «الارهابي» بـ«المعتدل» وحيث ضرب «الاختلاط» محرّم أميركياً.
بالتزامن مع الترميم اللوجستي والبشري والمعنوي لجماعة «جيش الفتح» بين حلب وإدلب، كان «أهل الهدنة» (روسيا وأميركا) يواصلان إظهار التناغم: مباركة أيّ عمل ضد «داعش» واستنئاف مسار «جنيف».
بالنتيجة كان المحور المقاتل في حلب (دمشق وحلفاؤها) مكبّلاً باتفاق سياسي مع الروس. يجلس مدافعاً عن مكتسبات ميدانية يعلم جدياً أنّها قابلة للضياع عند كل موجة هجومية من «النصرة» وأخواتها. لم تكن الجبهة، يوم إعلان الهدنة، في حالة دفاعية سليمة، بل كانت بحاجة إلى مزيد من التقدم لتثبيت حزام دفاعي متين، يضع مسلحي «االقاعدة» في حالة استنزاف كبير عند كل محاولة تقدم، كما يقلّل الخسائر البشرية التي ظهرت في الأيام الأخيرة.
مصادر ميدانية على صلة بالجبهة الحلبية لم تكن تخفي احتمال التراجع حتى من بلدة الحاضر قبل مدة قصيرة، استناداً إلى الواقع الميداني المتداخل مع السياسة.
واشنطن تعي تماماً ماذا تعني حلب، وتعلم أنّ الحرب الحقيقية تجري بين الجيش وحلفائه من جهة، و«القاعدة» وإخوانه من الجهة الأخرى. والتعديل الأخير في المزاج الروسي جاء بعد حسابات خاطئة تجاه المقابل الأميركي المنتظر إثر قرار «سحب القوة الروسية الرئيسية» واتفاق الهدنة. نحن أدّينا قسطنا من الاتفاق، وعلى واشنطن أن تضغط على حلفائها ليقاتلوا أو يتبرّأوا في الحد الأدنى من «جبهة النصرة»، صرّح مسؤولون روس في الشهور الثلاثة الأخيرة.
ماذا حصل؟ واشنطن واصلت مخططها بمشاركة الأكراد في ريف الرقة الشمالي وريف حلب الشمالي الشرقي، مقابل ضغوط على الجانب الآخر لقتال «داعش» فقط. عدد كبير من الهدن «تَجدّد» وثُبّت لأيام في حلب وريف اللاذقية الشمالي وبلدات في غوطة دمشق. كأنّ أصحاب القرار في العالم يقولون: قتال غير «داعش» ممنوع.

محاولة تكرار نموذج ريف حلب الجنوبي في درعا ومحيطها

مع توقيع اتفاق الهدنة نهاية شهر شباط الماضي، أوحى اللاعبان الدوليان كأنهما اتفقا على أنّ حلب «خاتمة المطاف». ننتهي من «داعش» ونتقدّم بخطوات تفاوضية في «جنيف» لتحلّ «مسألة حلب» على طاولة السياسة.
اليوم، أصبح «جنيف» خلفنا. والذين كانوا منهكين ميدانياً قبل الهدنة باتوا يتهددّون كل الريف الجنوبي وجنوب حلب المدينة. وفي الأسابيع الماضية، بدا المسلحون كما لو أنهم تلقّوا تعليمات أميركية ـــ تركية، وما يحتاجون إليه من أسلحة وذخائر ومعدات ورصد ودعم لوجستي، لإعادة الخريطة الميدانية إلى ما كانت عليه قبل الاندفاعة التي زخّمتها الطائرات الروسية نهاية العام الماضي ومطلع العام الحالي، وصولاً إلى تاريخ إعلان الهدنة. في السياسة، منحوا غطاءً لـ«جبهة النصرة»، عبر إصدار البيان تلو الآخر عن خطورة استهداف الطائرات الروسية والسورية لـ«الفصائل المعتدلة» المدعومة من واشنطن، التي تقاتل ميدانياً تحت راية تنظيم «القاعدة». تبدو المعركة استباقاً لأي خطوة يمكن أن يقوم بها محور دمشق ـــ حزب الله ـــ طهران ـــ موسكو. كلام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الخميس الماضي، عن سعي واشنطن إلى استغلال «النصرة» بهدف محاولة إسقاط النظام السوري يؤكّد «الغطاء الأميركي» لمقاتلي «تنظيم قاعدة الجهاد» في بلاد الشام. وبحسب ما قاله رئيس الدبلوماسية الروسية، فإن الأميركيين يماطلون في فصل «المعتدلين» عن المتشددين. بكلام آخر، باتت «جبهة النصرة» الجيش الذي يعتمد الأميركيون عليه، لتحقيق أيّ تغيير ميداني يمكن استخدامه في المفاوضات للضغط على موسكو وطهران ودمشق. ومن الشمال إلى الجنوب، تبرز «جبهة النصرة» أيضاً كعمود فقري لما تخططه واشنطن، بالتعاون مع النظام الأردني. فبحسب المعلومات الواردة من الجنوب السوري والشمال الأردني، يجري استغلال الهدنة لإعداد قوات من «النصرة» وفصائل أخرى وبعض العشائر، بهدف توجيه ضربات للجيش السوري، بعد انتهاء شهر رمضان، ومحاولة تكرار نموذج ريف حلب الجنوبي في درعا ومحيطها، وإعادة خطوط النار إلى ما كانت عليه قبل التدخل الروسي. والقرار هنا أيضاً أميركي، ويستند إلى التعامل مع «النصرة» كـ«أمر واقع» يمكن الاستفادة منه للضغط على الطرف الآخر.
في حلب، وبعد خسارة خلصة وبرنة وزيتان، وقبلها العيس وخان طومان وقرى أخرى، لن ينتظر الجيش السوري وحلفاؤه صرف مقررات اجتماع طهران الثلاثي (وزراء دفاع سوريا وروسيا وإيران) بما يخصّ ريف عاصمة الشمال السوري. فالمسألة لا تحتمل انتظار أسابيع، كالإعداد لمعركة دير الزور، ووضع حدّ لاحتمال تدهور كبير في الجبهات الحلبية أضحى ضرورة ملحّة. يحاول الجيش وحلفاؤه حالياً رتق ما أمكن من الثغر والتعويل على الخسائر الكبيرة التي تكبّدها المهاجمون، التي تحول دون مواصلة معاركهم بالزخم نفسه.
وتروي مصادر ميدانية لـ«الأخبار» أنّ الجيش السوري، رغم الخسائر في الأرواح والجغرافيا في ريف حلب الجنوبي، نجح في إفشال مخطط المهاجمين «الكبير» بالسيطرة على بلدة الحاضر عبر «تثبيت خطوط التماس على حدود خلصة»، كما أفشل «اختراق الخاصرة الجنوبية لمدينة حلب». لكن كل ذلك قد يظلّ موقتاً في جبهة واسعة قد يحرّكها المسلحون في أي لحظة، ما «يستدعي ردّاً في أماكن مختلفة وغير متوقعة»، حسب مسؤول ميداني.