قبض فرع المعلومات على اللبناني م. غرزاوي، أحد أبرز العناصر المرتبطين بتنظيم «الدولة الإسلامية»، الذين أوقفوا خلال الأشهر الماضية. اعترافات الموقوف كانت المصدر الأساسي للمعلومات التي استندت إليها الأجهزة الأمنية مجتمعة، لإعلان حالة الطوارئ. وقد جرى التكتّم على مضمون هذه الاعترافات من قبل فرع المعلومات طوال الفترة الماضية، فلم تُسرّب كي لا تخلق حالاً من الهلع بين المواطنين أو في المناطق التي جرى تحديدها كأهداف محتملة لمسرح عمليات التنظيم. حكى الغرزاوي عن عمليات انتحارية وانغماسية يُهيَّأ لها في شهر رمضان ضد أهداف في الضاحية الجنوبية وعن عمليات تفجير يُعدّ لها ضد سفارات أجنبية. كذلك حدّدت على لائحة الاهداف مراكز عسكرية وأخرى تابعة للأمن العام.
اعتمد «الدولة الإسلامية» أسلوب عمل مماثل للأسلوب الإسرائيلي يُسمّى «البريد الميّت» للحؤول دون كشف شبكاته

وتأتي أهمية الموقوف لكونه لعب عدة أدوار، بدءاً من الرصد والاستطلاع مروراً بالتجنيد والإعداد وصولاً إلى المرحلة التنفيذية، علماً بأنّ معظم العناصر الذين تمكنت استخبارات الجيش أو الأمن العام أو فرع المعلومات من القبض عليهم في الفترة الأخيرة، اقتصرت مهماتهم على التجنيد.
بدأت القصة بعدما انتقل الغرزاوي إلى الأراضي السورية. لم تحدد المصادر تاريخ تركه لبنان مهاجراً إلى سوريا. ومن هناك دخل إلى الرقة، عاصمة «الدولة الإسلامية»، حيث أقام لفترة وخضع لدورات أمنية وعسكرية وشرعية، قبل أن يُكلّف بمهمة أمنية في لبنان. في تلك الفترة، تعرّف الغرزاوي إلى «ضابط ارتباط» التنظيم الذي بيّنت التحقيقات الأمنية أنّه يتولى تحريك الخلايا الانتحارية التي تدور في فلك «الدولة الإسلامية»، ويُدعى «أبو الوليد». وهذا الاسم تكرر في إفادات عدد من الموقوفين المرتبطين بالخلايا الإرهابية، ومن أبرزهم إبراهيم بركات الذي وُصِف أمنياً بأنّه أحد الأُمراء الشرعيين للتنظيم في لبنان. و«أبو الوليد» هذا كان موجوداً في مدينة الرقة السورية، علماً بأنه سبق أن دخل خلسة عبر المعابر غير الشرعية في وادي خالد ليُعالج في طرابلس جراء إصابة في خاصرته. وتُرجّح المصادر أن يكون «أبو الوليد» هو المسؤول الأمني للتنظيم المتشدد على الساحة اللبنانية. وأشارت المعلومات إلى أنّه من منطقة القصير السورية، وسبق أن سكن في مدينة حلب، وأنه أحد مساعدي «أبو محمد العدناني»، المتحدث باسم تنظيم «الدولة الإسلامية». غير أنّ اعترافات الغرزاوي كشفت أنّ «أبو الوليد» قُتل في غارة جوية أميركية على مقرّه في الرقة. وهو الأمر الذي تسبّب في تأخير تنفيذ العمليات، بعدما انقطع التواصل مع التنظيم في أعقاب مقتله. وبحسب المعلومات، فإنّ الغرزاوي بايع «أبو الوليد» أميراً، علماً بأنّ الأخير سبق أن أشرف على تدريب انتحاريين نفّذوا عمليات انتحارية في الضاحية الجنوبية، وتحديداً التفجير الانتحاري المزدوج في برج البراجنة في تشرين الثاني العام الماضي. ويُرجّح أنّه ساهم أيضاً في الإشراف على تدريب المشاركين في هجمات فرنسا.
وبحسب التسريبات، فإنّ المهمة التي كُلِّف بها الغرزاوي اقتصرت بادئ الأمر على استطلاع أهداف في الضاحية لتحديد لائحة أهداف محتملة. كانت تلك المهمة التي كلّفه بها «أبو الوليد» قبل مقتله. ولدى تعيين «ضابط ارتباط» جديد، طُلب منه الإعداد لاستهداف أهداف تشمل سفارات أجنبية في بيروت وأماكن تجمعات أجانب، لما لذلك من ردّ فعل كبير على المستوى الدولي. كذلك طلب «ضابط الارتباط» من الغرزاوي توسيع بنك الأهداف ليشمل نقاطاً في العاصمة بيروت. وكان هؤلاء شديدي الحرص في ما يتعلق بأدوات التواصل، إذ إنّ المحادثات التي كانت تجري بينهم غالباً ما تكون مشفّرة. وإزاء ذلك، بدأت عملية الإعداد لتجهيز المتفجرات، غير أنّ ضباط فرع المعلومات وعناصره أوقفوه في مرحلة الإعداد. كذلك جرى توقيف عدة أشخاص، من بينهم تجار سلاح كان الغرزاوي ينوي شراء متفجرات منهم.
وكشفت التحقيقات مع الغرزاوي عن أسلوب عمل جديد قرّر اعتماده تنظيم «الدولة الإسلامية» لتلافي كشف خلاياه النائمة، بعد تجربة تفجير برج البراجنة الانتحاري الذي تمكنت الأجهزة الأمنية في أعقابه من توقيف معظم أفراد الشبكة المخططة والمنفِّذة. وبحسب المعلومات، فإنّ التنظيم قرّر اعتماد أسلوب عمل مماثل للأسلوب الإسرائيلي يُسمّى «البريد الميّت»، وذلك تحديداً في ما يتعلقّ بالتواصل والارتباط بين أفراد الشبكة الواحدة، إذ لم يعد هناك داعٍ لأن تكون الشبكة مرتبطة في ما بينها، بل يُستعاض عنها بأن يكلّف كل عنصر بمهمة. على سبيل المثال، يزرع أحد العناصر بريداً ميتاً في نقطة نائية، ثم يأتي عنصرٌ ثانٍ لاستخراجه من دون أن يلتقي الرجلان. وبالتالي، كلٌّ منهما يؤدي المهمة المكلّف بها، سواء كانت لوجستية أو تنفيذية.
كل هذه المعطيات أدلى بها الغرزاوي لدى فرع المعلومات، وقد حصلت استخبارات الجيش على ملخّص هذه التحقيقات.