لا تسأم السياسة من تكرار هذين القولين البالغي التعبير والدلالة. الأول لمحسن دلول عن تجربته الحزبية الجنبلاطية الطويلة والمخضرمة. والثاني لكمال جنبلاط نفسه حول التجربة الحزبية في حد ذاتها.

ذات يوم سئل الوزير والنائب السابق، دلول، كيف له وهو من رافق كمال جنبلاط عقوداً طويلة، أن يختلف لاحقاً بعد اغتياله، مع ابنه ووريثه وليد جنبلاط، فيبتعد عنه من الحزب والسياسة وحتى العلاقة الشخصية. أجاب الصحافي السابق في لسان دلول السياسي: في الواقع لم نختلف ولم نفترق قط. كل ما في الأمر أنه في لحظة ما رأيت من الضروري تغيير علاقتنا. لأنها أصبحت ظلماً متبادلاً. ظلم مني لوليد بيك، وظلم منه لي. أنا ظلمته، لأنني في علاقتي معه كنت أطالبه دوماً في سري أو لاوعيي، بأن يكون مثل أبيه. وهو ظلمني لأنه لا شك كان يطالبني بالطريقة نفسها، بأن أكون مثل الذين صاروا حلقة رفاقه!
وفي القول المنسوب إلى كمال جنبلاط، تصير إشكالية الانتماء أكثر ذاتية وشخصية. نقل عن الرجل قوله إنه إذا ما فرضت عليك الظروف ذات يوم أن تجد نفسك في صراع لا تسوية له، بين ضميرك من جهة وبين حزبك من جهة أخرى، فلا تتردد لحظة في القرار: التزم ضميرك، واترك حزبك. لأنه يمكن للإنسان أن يمضي حياة كاملة من دون حزب. لكنه لا يمكنه أن يحيا لحظة واحدة بلا ضمير!
بين هاتين الإشكاليتين تقع "قضية" سجعان قزي. بين إشكالية الانسجام بين أجيال مختلفة في نظام وراثي. وبين إشكالية الانسجام مع الذات في مسألة سياسية أو حزبية أو شأن عام، تقع كلها في الحيز الخاص بين ضمير الفرد وسلوكه. بين اقتناعه وتصرفه. بين ما هو، وما يفرض عليه أن يكونه.
في الجانب الأول، كان سجعان قزي واضحاً صريحاً في تلميحه إلى ملابسات الموضوع. قال قبل أيام انه كان في العشرين من عمره شريكاً لبشير الجميل. فلن يتحول في الستين من عمره مأموراً لدى الجيل العائلي الثالث. ثم ألمح ثانية إلى المشكلة نفسها، حين عبّر بأسى مكتوم، أنه لو كان أمين الجميل رئيساً للحزب، لما حصلت تلك الأزمة برمتها... لم يقصد سجعان قزي بهذا الكلام أي شخص ولا أي اسم. ليس المقصود انتقاداً لرئيس حزبه الجديد سامي الجميل. ولا تلاعباً على مساحة وهمية بينه وبين والده. ولا هي طبعاً دغدغة لمشاعر الحرس القديم والرايات العتيقة حول إرث بشير ووراثته بعد زمن. في كلام سجعان قزي هذا لا وجود لأسماء فعلاً، ولا معنى للتسميات. الكلام نفسه يصحّ ويصلح لعشرات الحالات، من انتقال تركيبات سياسية عبر النسب العائلي. لا لزوم لاستعراض أسماء وأحزاب وتيارات، لا شك أن القارئ يذكرها ويستحضرها الآن. المشهد هو نفسه. إنها طبيعة تفاعل الأجيال المختلفة، حول وضعيات ثابتة. الأجيال تمضي من مخضرم إلى جديد. فيما المراكز صامدة لوريث. بين الحركة والسكون ينفجر النزاع. مع مفارقة هنا أن القديم هو من يكون ضحية في حركة جيله. فيما الحديث والشاب هو من يكون في سكون مركزه الموروث! بينما الشكل يترك انطباعاً خاطئاً غالباً، أن المخضرم لم يواكب تطور الشباب...
تبقى الإشكالية الثانية، أن تكون في نزاع بين ضميرك الذاتي وانتمائك الموضوعي. أن تصير في نزاع داخلي وخارجي في آن، بين وجدانك وسلوكك، بين اقتناعاتك بمقتضياتها تجاه الآخر، وبين واجبك تجاه آخر، بإسقاطه على روحك ونفسك. ليست المسألة تفصيلاً ولا بسيطة. إدمون رزق ولويس أبو شرف عاشاها في خريف العام 1984، يوم طلب إليهما أن يتخليا عن كامل الأسعد حليف حزبهما، لصالح حسين الحسيني. فخرجا. ليتحول خروجهما بداية لسلسلة أحداث في السياسة على مستوى الوطن، تحولاً في اصطفافات ومواقف وتموضعات. سمير جعجع وكريم بقرادوني عاشا التجربة نفسها داخل الحزب نفسه في ربيع 1985. فخرجا أيضاً وصار خروجهما انتفاضة وسلسلة أحداث داخل الحزب الرحم... قد لا يعطى خروج سجعان قزي الفرصة لأي من التحولين المذكورين. فقد لا يذهب حزب الكتائب إلى تبديل في موقعه السياسي على رقعة التجاذب اللبناني. لا بسبب هذا "الفصل"، ولا بدفع من خلفيات استقالة الحزب من الحكومة. والأرجح أن فصل قزي لن يشكل صاعقاً لانتفاضات كتائبية لا في الصيفي ولا في أي ملحق كتائبي، بعدما أعدمت الأحداث اللبنانية كل ملحقاته وجعلت كلاً منها كياناً مستقلاً مثل "القوات"، أو نسياً منسياً مثل الذين خرجوا من الحزب إلى الصمت. لكن الإشكالية تظل هي هي، في حالة سجعان قزي كما في كل حالة مماثلة: ماذا يفعل البشر عند الاختلاف حول فكرة؟ هل يذهبون فوراً إلى الخلاف، وإلى منطق الفصل والعزل والإلغاء؟ في مجتمعات سبقتنا على دروب الخير العام والترقّي البشري، اخترعوا حلاً. هو حل معتور، ناقص، قاصر عاجز مزعج متعب ممضّ ربما. لكن التاريخ يعلم أنه الحل الوحيد. اسمه الديمقراطية.
لكن كيف لهذا الحل أن يتسلل إلى مجتمع ريفي الثقافة قبائلي المذاهب، استوعب الإنترنت ليعزز تخلفه لا ليغيره؟! إنها المعضلة الحقيقية الدائمة.