الزيوت المستعملة الناتجة عن المركبات الآلية على أنواعها، تشكل أحد أخطر المصادر الملوثة للبيئة والمتسببة بأضرار بالغة الخطورة على الصحة العامة.

تتجنب مؤسسات القطاع الخاص المعنية الإفصاح عن المعلومات التي بحوزتها، لاسيما الشركات النفطية المستوردة لهذا النوع من الزيوت. فيما الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني غائبة أو مغيّبة عن هذا الملف الأسود.
أما الأسوأ، يتمثل بغياب تام للدولة، فوزارة البيئة باعتبارها المسؤول الأول، " لا تملك أي دراسات أو معلومات حديثة" عن هذه النفايات السائلة السامة، بحسب ما أوضحت رداً على رسالة وجهتها "جمعية الخط الأخضر" للوزارة بتاريخ 23/5/2016.
مع العلم ان أول دراسة في الموضوع كانت للدكتور سميح وهبة، الذي كان مسؤولاً عن ملف النفطي في وزارة البيئة، وهو الذي قام بأوسع دراسة عن هذا الموضوع وخلُص فيها بعد التشاور مع شركات متخصصة باعادة معالجة الزيوت واستخدامها التي تبنت معالجة "الزيوت المستخدمة" بشرط ان يصدر مرسوم او قرار وزاري يمنحها حق احتكار هذه المادة على كل الاراضي اللبنانية لتكون لها جدوى اقتصادية في المعالجة، الا ان هذا الاقتراح رفض من قبل المعنيين في وزارة البيئة وبقي هذا الموضوع دون معالجة.
على اللبنانيين أن يتخيّلوا ويقدّروا حجم السوائل السامة التي يُعاد رميها بشكل عشوائي في المكبّات أو طمرها بطريقة لا تستوفي أدنى المعايير البيئية، أو من التخلص منها عبر مصارف المياه وأقنية المجاري، أو الأنهر الطبيعية، وصولاً الى البحر.

تحتوي مادة كيميائية تذوب في الماء وتنتشر معه

حاولت "الأخبار" الاتصال بعدد من المؤسسات الرسمية والخاصة المعنية بهذا القطاع إلا أن أياً منها لم يفد بما لديه من معلومات، إن وجدت. ورغم غياب المصادر، يمكن تقدير حجم وكميات "السم الأسود" الذي يغزونا وفقاً لتقديرات الحد الأدنى لعدد المركبات العاملة في لبنان.
بحسب الاحصاءات التي ادلى بها رئيس لجنة الاشغال العامّة والنقل النيابية، النائب محمد قباني، بعد اجتماع اللجنة في 2 حزيران الماضي، يقدّر عدد السيارات الخصوصية والعمومية المسجلة في لبنان حتى 31/12/2015 بنحو مليون و539 ألفاً و907 سيارات. هذه الاحصاءات قد لا تكون دقيقة ولا تمثل عدد السيارات والآليات المختلفة الموجودة فعلياً، إذ عدد مهم من السيارات المسجلة ليس موجوداً في الخدمة فعلياً وكذلك هناك عدد من السيارات الموجودة فعلياً مسجّلة في خارج لبنان، ولا سيما العائدة للسوريين. ولكن، بعيداً عن الدقة الاحصائية، يمكن بكل بساطة احتساب المخاطر الناجمة عن طرق التخلّص من الزيوت على اساس وجود مليون ونصف مليون سيارات (على الاقل) تعمل بشكل دائم في لبنان. إن عملية الاحتساب على اساس هذا الرقم (وهو لأغراض قياسية فحسب) يعطي صورة واضحة عمّا نواجهه، اذ ان كل آلية تستهلك سنوياً نحو 9 كيلو زيت، فتكون النتيجة بأن الكميات المتلفة تصل الى حدود 13 مليون و500 الف كيلو سنوياً، واذا كان ليتر واحد من زيت المحركات كفيل بإفساد نحو مليون ليتر من الماء، فهي بالتالي تشكّل خطراً على النظام البيئي بأكمله.

أين تذهب هذه الأطنان وما هي المخاطر البيئية والصحية؟

حاولت "الاخبار" رصد المسار الذي تسلكه هذه السوائل السوداء، فتبين أن جزءاً بسيط منها يتم شراؤه من قبل شركات خاصة مثل ECOLUB أو من قبل أفراد وبأسعار زهيدة تصل الى حدود العشرة آلاف ليرة لبنانية للبرميل الواحد، فيما النسبة الأكبر تذهب الى بواطن الأرض ومسارب المياه والمكبات. امتنع المسؤولون في الشركة المذكورة عن التصريح عن المعلومات التي بحوزتهم أو الإجابة عن اسئلة "الأخبار"، لأسباب غير مفهومة. وعلمت "الأخبار" أن جزءاً من هذه المواد تتم معالجته وإعادة بيعه لبعض المعامل التي تعتمد على افران ذات حرارة عالية لصهر الحديد أو تصنيع الزجاج. كما أن بعض الأفران المصنعة لمواد غذائية كالخبز والحلويات تستهلك بعض هذه المواد في عملية الإنتاج، بدلاً من الغاز الطبيعي، نظراً الى تدني كلفتها قياساً على أسعارالغاز. كما أن بعض التجار يستفيدون من هذه المادة لخلطها مع "النشارة" لبيعها كمادة لاستخدامات التدفئة المنزلية وجزء يعاد تنقيته وخلطه بمواد ملونة.
الواضح، أن النسبة الأكبر من زيوت المحركات يتم تلفها بطريقة عشوائية من قبل المحطات ومحال تغيير الزيت المنتشرة في كل مكان. الأمر الذي يتسبب بأضرار فادحة على البيئة، خاصة ان هذه الزيوت المستعملة تحوي مادة تدعى M.T.B.E (Methyl Tertiary Butyl Ether) وهي مادة كيميائية استخدمت كبديل عن الرصاص في وقود المركبات، إلا ان استخدامها والتخلص منها بشكل عشوائي يتسبب بدوره بأضرار دفعت الولايات المتحدة الأميركية لاتخاذ التدابير القاضية بعدم استعمالها. ومن مخاطر هذه المادة انها تذوب في الماء ما يساعد على حركتها وانتشارها حيثما ينتشر الماء، وهي متطايرة تحت الظروف الجوية العادية وتنتشر في الهواء ما يساعد في وصولها الى الانسان عن طريق التنفس. وهذه المادة عديمة التحلل بواسطة الميكروبات ما يؤدي الى بقائها في البيئة لفترات زمنية طويلة جداً، ولا تستطيع التربة تقييدها او الحد من حركتها اذا وصلت اليها ما يؤدي الى وصولها الى النباتات بمختلف انواعها بما فيها تلك التي يتغذى عليها الانسان او الحيوان. والأخطر أن للمادة المذكورة القدرة على النفاذ من الخزانات والانابيب والمرافق التي تتعامل مع تجهيزات الوقود او استخدامه. لذا فإن استخدامها الآمن يتطلب اعادة تأهيل للبنى التحتية بدءاً بالانتاج وانتهاءً بالمستخدم النهائي.
تستولد هذه المعطيات، أسئلة بديهية نضعها برسم وزراء البيئة والصحة العامة والأشغال العامة والنقل: من هي الجهة المسؤولة عن مراقبة طريقة التخلص من زيوت المحركات؟ ومن هي الجهة المسؤولة عن محاسبة المتسببين بهذه الأضرار والمتواطئين معهم بطريقة مباشرة أم غير مباشرة؟ ثم ألا يستوجب هذا الواقع من الجهات المعنية اتخاذ التدابير الفورية على النطاق المركزي أو البلدي، للحد من التدهور البيئي الحاصل وخطره على السلامة العامة؟