خيّب «جهاديّو» الجبهة الجنوبية السورية ظنّ النظام الأردني. بادلوا «تسهيلاته» لهم، منذ بداية الحرب السورية عام 2011، بهجومٍ انتحاري، هو الاعنف الذي تشهده البلاد منذ سنوات. العملية التي ادت إلى مقتل ستة عسكريين وامنيين أردنيين وجرح 14 من زملائهم، وقعت قبالة مدخل مخيم للاجئين السوريين في منطقة الرقبان، شمال شرق المملكة، قرب الحدود مع سوريا والعراق. وفيما أعلن الأردن ان عدداً من السيارات المفخخة انطلقت من الأراضي السورية لتهاجم موقعاً امنياً عند الخامسة من صباح أمس، أعادت هذه العملية فتح الباب امام تساؤلات تطفو على السطح، كلما وقع هجوم إرهابي في المملكة. فالنظام الأردني قرر منذ عام 2011 تنفيذ برنامج العمل الأميركي، لناحية احتضان مقاتلي الجماعات المسلحة السورية المتمردة، وتأمين الدعم التدريبي والتسليحي والاستخباري لهم، وقيادة عملياتهم في الجنوب السوري، وصولاً إلى العاصمة دمشق. ولا يبدو أن برنامج العمل هذا يفرّق كثيراً بين "معتدل" و"متشدّد". فالأسلحة التي توزعها غرفة العمليات المشتركة في الأردن (المعروفة بـ"موك"، والتي تضم ضباطاً أميركيين وفرنسيين وبريطانيين وأردنيين وسعوديين وإماراتيين، وتعمل بالتنسيق مع الاستخبارات الإسرائيلية)، يصل كثير منها إلى المنظمات التي يصنفها الأميركيون "متشددة"، كـ"تنظيم القاعدة في بلاد الشام" (جبهة النصرة). كذلك فإن الهجمات التي تنسّقها الـ"موك" ضد الجيش السوري، ينفّذها خليط من التنظيمات، وقلّما يُحرَم مقاتلو "القاعدة" من المشاركة فيها.
رد الفعل الأردني الرسمي شدّد على التحذير من "خطر ازدياد عدد النازحين"!
يُضاف إلى ذلك ان النظام الذي يشارك ــ رمزياً ــ في الحرب التي اعلنتها الولايات المتحدة ضد تنظيم "داعش"، يفسح في المجال امام نمو التنظيمات "الداعشية" و"القاعدية" الهوى والتفكير داخل الأراضي الأردنية. ولطالما شكّل "الجهاديون" الأردنيون رافداً أساسياً للقوى التكفيرية في العراق وسوريا. كذلك فإن السلطات الأردنية تلعب دوراً استخبارياً بارزاً في الحرب الدائرة في غرب العراق، سواء لناحية تبادل المعلومات مع أميركا وإسرائيل والسعودية وغيرها من الدول، أو لجهة إثارة القلاقل في تلك المناطق العراقية المحاذية للحدود الأردنية. خلاصة القول إن ما قام به النظام الأردني، خلال السنوات الخمس الماضية، ساهم في تهيئة الأرضية لنموّ التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا. وتاريخ هذه الجماعات يُؤكد استحالة التحكم في مسار عملياتها بصورة دائمة. فمن يعبر الحدود من الأردن شمالاً نحو المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية، سيكن قادراً على عبورها في الاتجاه المعاكس متى أراد، لتنفيذ عملية على الأراضي الأردنية.

ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدر أمني أردني قوله إن عملية امس كانت «عملية عسكرية منظمة، شارك فيها العديد من الانتحاريين». وحتى ساعة متأخرة من ليل أمس، لم تتبنّ أي جهة العملية، إلا أن بعض المصادر المقرّبة من الجماعات المسلحة في الجنوب السوري قالت لـ«الأخبار» إن العمل نفّذه فصيل صغير يدعى «سرايا المجاهدين». ولم يظهر للفصيل أي دور «إعلامي» منذ أواخر 2014، ويضم أردنيين وبعض أبناء العشائر من سكّان مدينة درعا، من أصول أردنية، وينتشر في درعا، والقرى المحيطة بها، وهو مقرّب من «تنظيم القاعدة». في المقابل، قال وزير الداخلية الأردني، سلامة حماد، إن «المنطقة يوجد فيها عناصر لداعش ومهربون».
ردّ الفعل الأردني صدر على مستويين، عسكري وسياسي، حيث أكد الملك عبد الله الثاني أن بلاده «ستضرب بيد من حديد كل من يعتدي أو يحاول المس بأمنها»، في حين أعلن الجيش الأردني المناطق الحدودية مع سوريا والعراق «مناطق عسكرية مغلقة». وأصدر رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأردني، الفريق أول الركن مشعل محمد الزبن، أمراً باعتبار المناطق الحدودية الشمالية، والشمالية الشرقية، مناطق عسكرية مغلقة. اما على المستوى الثاني، فأعلنت عمان «وقف إنشاء مخيمات جديدة للاجئين السوريين على أراضيها». وهو ما عكسه بيان وزارة الخارجية الأردنية بأن عدد اللاجئين السوريين في المنطقة الفاصلة مع سوريا 102 الف شخص غالبيتهم من مناطق شمال وشمال شرق سوريا التي يوجد فيها «داعش». وقال وزير الخارجية ناصر جودة ان "الاردن طالما حذر من خطورة تزايد اعداد السوريين الموجودين على حدوده". وأضاف ان "الهجوم الارهابي الذي وقع اليوم جاء برهاناً قاطعاً على وجود بعض العناصر الارهابية في التجمعات المتاخمة لحدودنا" ما يستدعي غلق الحدود "وإيجاد آلية بديلة بوسائل وطرق مختلفة يتفق عليها مع المنظمات الدولية لإيصال المساعدات الانسانية لمن يستحقها في تلك التجمعات". وقال جودة إن "على العالم ان يتحمل مسؤولياته ويستوعب مزيداً من اللاجئين وأن يحترم خيارات وقرارات الاردن السيادية، خاصة التي تتعلق بأمنه وأمن حدوده ومواطنيه".
وهذا الهجوم هو الأول من نوعه على الأردن، انطلاقاً من الأراضي السورية منذ 2011. ويوم 6 حزيران الجاري، وقع هجوم على مقر أمني في العاصمة الأردنية عمان، وأدى إلى مقتل خمسة أشخاص بينهم ثلاثة من ضباط المخابرات الأردنيين. وفي شباط الماضي، نفّذت الأجهزة الأمنية الأردنية عملية أمنية في مدينة إربد، ادت إلى مقتل ضابط أردني و7 أفراد قالت إنهم ينتمون إلى خلية تابعة لتنظيم "داعش"، كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية في المملكة.