لم يسبق لبطريركية عربية أن أصدرت بياناً مماثلاً لبيان بطريرك الروم الملكيّين الكاثوليك التي قال بطريركها غريغوريوس الثالث لحّام، بوضوح لا لبس فيه، إنه عاجز عن تأمين النصاب اللازم لعقد السينودس السنويّ لكنيسته بحكم مقاطعة المطارنة له. وهو قال أكثر من ذلك، بتأكيده أن الفاتيكان دخل على خط إقناع المطارنة بالحضور ولم يحضروا. وأشار لحّام، في بيانه، إلى تمسكه بكرسيه ورفضه الاستقالة والاستعفاء، مبشراً من يعنيهم الأمر بـ"مجموعة مشاريع إضافية لا بدَّ مِن تنفيذها". والجدير ذكره، بداية، أن طائفة الروم الملكيين الكاثوليك من أقدم الكنائس الشرقية ومقرها الرئيسي في حارة الزيتون في دمشق القديمة. يتجاوز عدد أتباعها في لبنان وسوريا مليوناً و300 ألف نسمة، وأبرز عائلاتها السياسية اللبنانية سكاف وفرعون وفتوش والصحناوي، وهي تتمثل في المجلس النيابي بثمانية نواب (ميشال فرعون ــــ الأشرفية، نعمة طعمة ــــ الشوف، مروان فارس ــــ بعلبك الهرمل، ميشال موسى ــــ الزهراني، عصام صوايا ــــ جزين، إدكار معلوف ــــ المتن، نقولا فتوش وجوزف المعلوف ــــ زحلة).

لحام الذي تجاوز ثلاثة وثمانين عاماً، انتخب بطريركاً "بالحظ" عام 2000: غداة تنازل البطريرك مكسيموس الخامس حكيم عن منصبه بسبب مشاكله الصحية، كان مطران بيروت حبيب باشا المرشح الأقوى لخلافته. إلا أن باشا توفي فانحصر التنافس بين لحام ومطران حمص إبراهيم نعمة. وأمّنت الحساسية بين الشويريين والحلبيين، داخل الطائفة الكاثوليكية، فوز لحام الحلبيّ بحكم الأكثرية الحلبية داخل المجمع.

استفاد المطارنة من حاجة البطريرك إليهم ليتمتعوا بسلطات مطلقة في أبرشيّاتهم

من يومها بدأت المشاكل: باشر لحام، فور فوزه، بتغيير الفريق العامل في مقر البطريركية الصيفي في منطقة الربوة، إضافة إلى كرسيي البطريركية في دمشق والقاهرة "من تحت إلى فوق"، للسيطرة على النقمة التي بدأت تتفاقم عند اتهامه المعاون البطريركي الراحل المطران يوحنّا منصور بالسرقة، رغم معرفة كل أهل البطريركية أنه حافظ على أموال البطريركية وحال دون ضياعها غداة مرض البطريرك حكيم وعجزه عن الإمساك بزمام الأمور. وأمام تعنت البطريرك، قدم منصور استقالته، ليتفرغ لحّام لتضييق الخناق على المطران الراحل غريغوار حدّاد الذي اعترض على إعادة تأهيل جناح نوم البطريرك بمبالغ خيالية، بعد أن تبين أنه لا ينام إلا على "فرشة" إيطالية. والشكاوى من إحاطة البطريركية نفسها بالمتمولين والمقاولين تعاظمت ككرة ثلج. فاعتراض عدة مطارنة على تكلفة المدرسة البطريركية في الربوة تبعتها فضيحة ترميم عين تراز ومقرّ البطريركية في الربوة والمشاريع السكنية في الربوة أيضاً، ومشاريع ريف دمشق وغيرها وغيرها، ما أفقد كثيرين صوابهم. وعندما عاد الأب الياس جروان من روما لتنفيذ مشروع الربوة السكني من ماله الخاص لمساعدة الشباب على البقاء في أرضهم، حوّل "تجار البطريركية" المشروع إلى شقق خاصة بالميسورين. ويروي أصدقاء جروان أن البطريرك زاره في آخر أيامه، في مقر إقامته في يسوع الملك، ليأخذ ما بقي في حسابه بحجة إكمال المشروع. وهو خرج مع أموال جروان ولم يعد لزيارته قَطّ.
حملة الاستقالات والإقالات التي بدأها لحام غداة انتخابه شملت الجميع من دون استثناء، بمن فيهم العاملون في التنظيف والمطبخ والسائقون وموظّفو الديوان البطريركي وطبعاً أمين السرّ المساعد وكاتم أسرار المطران منصور الذي تشاحن مع البطريرك الجديد أكثر من مرّة. وأدى ذلك إلى تمزق الجسم البطريركي بين الموظّفين الذين ابتلع بعضهم الموسى للحفاظ على مورد رزقه، ورفض بعضهم الآخر الانصياع. وهنا بدأ لحام توظيف المقرّبين إليه والمتزلّفين. ومن يراجع تدرج أمناء سره منذ توليه البطريركية، يلاحظ أن غالبيتهم أصبحوا لاحقاً مطارنة. واعتقد لحّام أنه سيحصد إجماع مجمع المطارنة وموافقتهم من دون جدل أو نقاش على كل ما يريده. لكن المطارنة، لأسباب مختلفة، لم يبادلوه الجميل. فقد شهد عهده ولا يزال تغييراً "غريباً عجيباً" للأساقفة ونقلاً لهم من كرسيّ إلى آخر، في مخالفة لكل الأعراف. إذ نُقل عشرة أساقفة من عشر أبرشيّات في حقبته بسبب خلافات مع كهنتهم أو نتيجة فقر الأبرشيّة أو فضائح ماليّة أو أخلاقيّة: مطران اللاذقيّة نقل إلى أميركا اللاتينيّة قبل أن يستقيل. مطران بعلبك نقل إلى الولايات المتحدة ثمّ إلى بيروت. مطران أوستراليا نقل إلى زحلة، وهكذا دواليك. فضلاً عن معاونيه الذين ما كادوا يُنتخبون مطارنة، بضغط منه، حتى بلغ خلافه معهم حد العداء. وتتالت القضايا: من فساد المحاكم الروحية التي هاجمها كاهن رعيّة زوق مكايل الأسبق وفضحها على صفحات التواصل الاجتماعي، إلى خلاف مطران حلب مع أحد كهنته الذي كرّس حياته للعمل مع الصمّ والبكم، فما كان من المطران سوى أن انتقم من الكاهن بمصادرة أموال جمعية الصم والبكم التي يديرها الأخير.
لا أحد يعرف الوسيلة لحل أزمة الكنيسة، ويبدو أن لا حلّ سوى الاستمرار بلحّام
وكانت الصدمة لاحقاً بوقوف البطريرك إلى جانب المطران إلى أن التجأ الحلبيون إليهم للتحكيم في القضية. ومطران حلب، بالمناسبة، من أكثر المطارنة المتخاصمين مع أهالي أبرشيتهم. مطران بيروت الحالي كان في أبرشية بعلبك حين انفجرت فضيحة بيع الأراضي فنقل على عجل إلى الولايات المتحدة ريثما تهدأ الأمور قليلاً فيعود مطراناً على بيروت. أبرشية دمشق تحفل بالفضائح هي الأخرى. مطران حوران كان أمين سر لحام وشريكه في معظم الاتهامات الموجهة إليه. وما يشاع عن مطارنة فلسطين والأرجنتين تستحيل كتابته. أما مطران كندا، فيتصرف وفق شكاوى أبرشيته بوصفه إلهاً لا ممثل إله. وفي عدة أبرشيات أخرى، استفاد المطارنة من حاجة البطريرك إليهم ليتمتعوا بسلطات مطلقة غيّبت دور الكهنة والقيّم الأبرشيّ والمجلس الكهنوتي. وبلغت الفضائح المالية حدوداً خيالية من دون مبالاة البطريرك، ما اضطر الكرسي الرسولي إلى التدخل أكثر من مرة للملمة الفضائح، كما حصل مع مطران حمص الذي كان نائباً بطريركياً في دمشق قبل أن يرسل إلى حمص. وضياع الحسابات البطريركية ترافق مع الاتجار بالمشاع الكنسي وتداخل الصناديق وإحاطة مجموعة أغنياء جدد بالبطريركية، في ظل تخييب لحام لآمال العلمانيين الروميّين الكاثوليكيّين الذين ما زالوا يستصعبون فهم عظاته، ونادراً ما سمعوا موقفاً جدياً له في الدفاع عن مصالح الطائفة وحقوقها أو ترشيد الإنفاق وتقديم خدمات مشاريع اجتماعية وصحية وتربوية جدية. لكن رغم هذا كله، لا يزال الكرسي الرسوليّ عاجزاً عن تأمين تصور أولي لحل أزمة كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك. فالاتهامات المتبادلة تحيّد مطران بيروت المتقاعد يوسف كلاس ومطران حوران المتقاعد بولس برخش والمعاون في الولايات المتحدة نقولا أبو سمرا، أما غالبية الآخرين فيمكن القول، باختصار، إنهم متخرّجو مدرسة لحام. وما استبدال لحام الذي تجاوزت أعوام عمره الثمانين بأحد هؤلاء سوى تجديد للأزمة لا يشتهيه الكرسيّ الرسولي. لا بدّ من وقف التدهور في كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك. لكن لا أحد يعرف الوسيلة لتحقيق ذلك. ويبدو أن لا حلّ سوى الاستمرار بلحّام... حتى إشعار آخر.