مرّت 38 عاماً على ذلك اليوم. لكن، «لعنة» انتظار طرقة يد ابنها على الباب لا تزال هي هي. كما لو أنها فقدته من قلبها للتو. أمس، وقفت عفاف الغزاوي، والدة المفقود بسام محمد علي الذي اختطف عام 1978، عند باب بيتها تنتظر وفد البعثة الدولية للصليب الأحمر، الذي حضر لأخذ عينات «بيولوجية» من العائلة، وفي بالها السؤال... الذي لا يأتيها بجواب: «ابني موجود يعني؟». تحار الصبيّة، التي أرادت إخبارها عن الهدف من الزيارة، في الإجابة، فما الذي يمكن أن تقوله لأم لا تزال تنتظر ابناً، غاب بكراً وصار اليوم أصغر إخوته؟

عفاف تعرف أن لا أحد سيجيبها عن سؤالها، ولكنّها تصرّ في كلّ مرّة على فعل ذلك أمام زوّارها، وسرد شريط ذكرياتها مع بسّام الذي فُقد في منطقة البربير. وفي كلّ مرّة ستروي حكاية ابنها، ستحضر «ألبوم» صور العائلة لتريهم وجه ابنها وتبكي. هذه الصورة هي كلّ ما تبقّى للأم، وهي نفسها التي «أودعتها في مخفر الرملة البيضا ومركز الصليب الأحمر على إيّام ما كان بشارع أبو طالب». منذ خُطف بسّام، «صارت هذه الصورة رفيقتي، أقول لها ما يزعجني وما يفرحني وكل ما يدور في بالي». لا تزال عفاف ترى ابنها كما في صورة «البولارويد». لا يكبر ولا يشيخ. شاب صغير أتى للتوّ من السويد ليقضي وقتاً مع عائلته قبل السفر للعمل في أميركا «بس بنهار ضهر وما رجع». ومن وقتها، تمارس الأم الانتظار، معوّلة على عمر ابنها «بهيدي السنة بيصير عمره 62 سنة». تبتسم ـ وهي من المرات النادرة التي تفعلها لحظة الحديث عن ابنها ـ ثم تسأل «شو قولك إذ دق على الباب، معقول أعرفو؟».

بدأت البعثة بأخذ عينات «لعاب» من عائلات المفقودين

جلّ أمهّات المفقودين والمخفيين قسراً يسألن هذا السؤال. ماذا لو عاد؟ من دون الحصول على إجابة. فالدولة، وجلّها مشغولة من «ميليشيات» الحرب التي ساهمت في فقدان 17 ألف مفقود وربّما أكثر، تصرّ على الغياب عن قضيّة هؤلاء «الملدوغين» من الفقد. حتى عندما جاءت لتمارس واجباتها، عبر تكليف لجنة بالاستقصاء عن مصير المفقودين والمخفيين قسراً، في تسعينيات القرن الماضي، اكتفت بأرشفة شهادات الأهالي، من دون «تكبّدها» عناء التحقيق مع الجهات الخاطفة. وخير دليل على إدارة الظهر عمداً لهؤلاء «الصندوق» الذي قدّمته، قبل عامين للأهالي، والذي يتضمّن معلومات «خام» لا تزال في مراحل التحقيق الأوّلي. وحده، أسعد الشفتري، «التائب»، كان أجرأ من الدولة في الحديث عن الجزء الخاص به من الرواية.
ما عدا ذلك، لم تفعل الدولة شيئاً، حتى أنّ اقتراحات القوانين ما تزال عالقة في مكانٍ ما أو درجٍ ما في المجلس النيابي. والحديث هنا عن اقتراح القانون المتعلّق «بإنشاء بنك معلومات دي إن إي»، حيث لا يزال هذا الاقتراح ينتظر انعقاد جلسة مجلس نواب من أجل إقراره. ولكن، «لسوء الحظ تحوّل مجلس النواب إلى مطبخ بلا مطعم»، بحسب النائب غسّان مخيبر. أما اقتراح قانون «الأشخاص المفقودين وضحايا الإخفاء القسري، فمن المفترض أن يُحال إلى لجنة الإدارة والعدل»، بحسب مخيبر. وإن كان سيصطدم هذا الاقتراح أيضاً بـ«عطلة» المجلس النيابي المستمرّة منذ سنوات، إلا أنّه «يعتبر أن مروره في لجنة حقوق الإنسان يعدّ إنجازاً كونه يؤشّر إلى توافق على الموضوع، خصوصاً أنّ كل الكتل الكبيرة ممثلة في هذه اللجنة». ومن المفترض أن «يشرّع» هذا القانون، فيما لو أقرّ، حق الأهالي في معرفة مصير ذويهم، إضافة إلى إيراد تعريف شامل للمفقودين والمخفيين قسراً، وفق ما تنص عليه الاتفاقات الدولية، ووضع آلية واضحة لنبش المقابر الجماعيّة وإنشاء الهيئة الوطنية لحل قضية المفقودين وضحايا الإخفاء القسري والتي تتمتع بصلاحيات واسعة، من ضمنها نبش المقابر»، يتابع مخيبر.
لكن، المجلس معطّل، وكذلك حسّ الدولة حيال قضيّة 17 ألف مفقود، ومن ورائهم أمهاتهم اللواتي كبرن كثيراً على هذا الوجع، فيما انسحب بعضهنّ من دون معرفة المصير.
أمام هذا الواقع، قرّرت البعثة الدولية للصليب الأحمر «مساعدة» الدولة اللبنانية... فيما يُفترض أنّه عملها. وعلى هذا الأساس، بدأت البعثة بأخذ عينات «بيولوجية» (لعاب) من عائلات المفقودين، على أن تأخذ من كل شخص في عائلة المفقود عينتين: واحدة ستودع لدى البعثة الدولية وأخرى ستودع لدى قوى الأمن الداخلي، وتكون هذه العينات مرمّزة، من دون أسماء، حرصاً على السريّة، ويحقّ للأهالي تالياً استرجاعها متى يشاؤون. وأمس، كانت إحدى جولات البعثة على العائلات، ومنها عائلة المفقود بسام محمد علي، حيث أخذت عينات من والدته عفاف وشقيقه بسام وشقيقته سناء.
وبالتوازي مع هذا المشروع، تقوم البعثة الدولية، منذ عام 2012 ويتعلّق بجمع البيانات عن المختطفين والمخفيين ما قبل حادثة الاختفاء وتتضمن معلومات شخصيّة وبيانات طبية وصوراً (…). وحتى هذه اللحظات، تقدّر هذه البيانات بحدود 2200. أما كيف ولد هذان المشروعان؟
في عام 2011، قامت بعثة الصليب الأحمر بدراسة استهدفت عينة من 324 شخصاً من عائلات المفقودين وتمحورت حول الآثار السلبية لـ«الفقدان». في الخلاصة، خرجت الدراسة، من ضمن توصياتها، بتوصية مهمّة تتعلّق بحق معرفة عائلات المفقودين والمخفيين لمصير ذويهم. في عام، 2012، ولد مشروع تجميع البيانات (استمارة)، مستنداً للوائح تسلمتها البعثة من الدولة، وأخرى من لجنة أهالي المفقودين والمخفيين وزيارات الأهالي والمنشورات وأخبار الصحف. كان عملاً شاقاً كون جزء من المعلومات لم يكن دقيقاً وكان يجب التأكد من كل شيء. ولا يزال هذا المشروع يكمل «تجميعته». وفي العام نفسه أيضاً، طرحت على الدولة فكرة جمع «عينات بيولوجية» من عائلات المفقودين، ولكن حتى هذه اللحظة لم تأت الموافقة، باستثناء الموافقة من قوى الأمن الداخلي، التي باشرت على أساسها البعثة بأخذ العينات منذ أسبوع تقريباً. وعند موافقة الدولة، يتقاعد الصليب الأحمر عن المساعدة، وتتكفل قوى الأمن الداخلي بتجميع هذه العينات، التي من المفترض أن تحوّل الى الهيئة الوطنية لحل قضيّة المفقودين... والتي لا تزال حبراً على ورق اقتراح القانون العالق في مجلس النواب. هذه النقطة الأخيرة، يعلّق عليها مخيبر بالقول أنّ «الأجدى هو أن يكون اتفاق البعثة الدولية في هذا الإطار مع النيابات العامة كون هذه الأخيرة لها الصلاحية القصوى، ففيما لو جرى اكتشاف مقبرة جماعية فهي الجهة الصالحة والمشرفة على هذا الكشف». لماذا؟ يجيب مخيبر لأنّ «الاختطاف يشكلّ جريمة وهي صلب صلاحيات النيابات العامة، وقد حصل نقاش طويل مع البعثة ولكن ثمة حذر شديد خصوصاً في ما يتعلّق بإطار الملاحقات الجزائية».