كان يحلو لأحد خبراء السوسيولوجيا الفرنسيين المعاصرين، أن يؤرخ لحركة السكان في بلاده، من خلال تركيبة منتخب فرنسا لكرة القدم. فيروي مثلاً أنه يوم الهجرة إلى ضواحي باريس من البلدان الأوروبية المجاورة، بعد الحرب الثانية، صار لفرنسا بعد نحو جيل، منتخب يقوده بلاتيني. وأنه حين صارت هجرة المغاربة هي الطاغية، صار لها منتخب يقوده "زيزو" أو زين الدين زيدان. الآن يقول إن الوضع أشبه بانفلاع (Eclatement) المشهد الديمغرافي الفرنسي على كل المسارب، وهو ما جعل المنتخب الراهن متوازناً في هجانته وتعدديته!

لو قدر للقياس المنطقي نفسه أن يطبق على مسألة بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أو خروجها منه، لأمكن لأي مشاهد لمباراة للمنتخب الإنكليزي في كرة القدم، أن يجزم أن بريطانيا ستخرج من الاتحاد الأوروبي. لا استناداً إلى حسابات اقتصادية وأرقام مالية أو هندسات ضرائبية، بل لمجرد معاينة سلوك المشجعين الإنكليز، وخصوصاً ظاهرة الهوليغنز في الأعوام الماضية. وهو ما يختزن ويختزل ثقافة كزينوفوبية كافية للتأكيد بأن خيار "بريكزيت" سيحصل على أكثرية إنكليزية على الأقل. وهو ما حصل.
ففي مكان ما يمكن القول إن ما حصل في بريطانيا، وما يحصل في العالم منذ عقدين، هو في جزء من أسبابه ودوافعه، الوجه الآخر من ميدالية "العولمة". أو هو في بعده العملي، الجواب الطبيعي على حركة النظام الشمولي الذي قام في كوكبنا مطلع التسعينيات. ففي ذلك الوقت، وقف جورج بوش الابن يعلن في خطاب احتفالية نصره، ان التاريخ سيذكر كيف تمكن هو من تعبئة آخر أنفاس الماركسية في علبة من تنك يعرضها الباعة المشردون على السياح في الساحة الحمراء في موسكو. يوم اعتقد أهل واشنطن، على طريقة فوكوياما، أن النظام العالمي الجديد، تأسس وتأبّد، على قاعدة افتتان أهل الأرض قاطبة بالنظام الليبرالي. لم ينتبهوا إلى جزئية بسيطة في خلفية ذلك الحدث. أنه رغم سباق التسلح وبمعزل عن موازين القوى العسكرية والنووية بين الأطلسي ووارسو، وخلف كل الحسابات السياسية التي كانت قائمة آنذاك، ولدت العولمة في مزاجات الناس من مجرد الإحساس بالحاجة. الحاجة التي كان منطلقها إدراك أهل الأرض بأن الوفرة التي عاشوا فيها من قبل لم تعد كافية لهم جميعاً. وأن الندرة باتت سيدة هذا الكوكب. هكذا أحسّت شعوب الأرض بحاجة كل منها إلى الآخر. إلى تعاون أو حتى تكامل، يضاعف ما تبقى من خيرات ويثمر ما يبذل من جهود بشرية. فكان نظام العولمة، نتيجة شعورية سيكولوجية أولاً، بحاجة كل فرد إلى قريبه. وباضطرار كل جماعة إلى الاستعانة بالجماعات الأخرى. وهو الأساس النفسي لكل اتفاقيات التجارة الحرة ومنظماتها والأسواق المشتركة وإسقاط الحدود وبروز عصر السيادة الوطنية النسبية.
بعد فترة، بعد عقد أو عقدين، ظهر أن هذا النظام التعاوني شكلاً، لم يكن عادلاً لكل أهل الأرض. فتحت الحدود. لكن لم تتوازَ الثروات. تكرّست الطرق السريعة للمعلومات والاتصالات وكل أنواع التبادل البشري. لكن قوانين تلك الطرق العالمية ظلت إلى حد كبير في اتجاه سير واحد. من معه يعطى ويزاد ومن ليس معه يؤخذ منه. صارت الثروات أكثر ثراء، والفقر أكثر عوزاً وعدماً. هكذا، من ثنائية الندرة وحاجاتها، وسوء توزيع الثروات وظلمه، تفاقمت في العقدين الأخيرين حركة عالمية جديدة، هي الهجرة. حركة تفاعلت بشكل مطرد مع نظام العولمة الذي أطلقها. فهو زادها اطراداً، وهي زادته مركزية وسلطة.
فجأة، نسي الناس حاجاتهم. تحت ضغط حركات الشعوب النازحة شمالاً، لم يعد التعاون المادي أولوية. قفزت مكانه في وجدانات الجماعات مسألة الخصوصية والهوية. سقط اعتبار الازدهار الاقتصادي. صار الاستقلال الوطني هو الهاجس. تراجعت الحاجة كدافع نفسي. عادت السيادة كتطلع جماعي. فراحت تعتمل في النفوس ظواهر رفض الآخر. حتى بدأت تتجسد في كل مجالات الأنشطة البشرية من دون استثناء. من الحروب العسكرية، إلى الاتجاهات السياسية المتطرفة، وصولاً حتى ملاعب الرياضة. الآخر هو الجحيم، صار الوجه الآخر لنظام العولمة وشعار الأرض قرية كونية واحدة...
الهوليغنز في في كرة القدم، ليسوا غير الرد الشعبوي على هجرة الأقدام على وجه الأرض. فيما صعود الأحزاب المتشددة كان التعبير نفسه عبر ظواهر الاقتراع بالأقدام أيضاً، بدل الرؤوس. هكذا انتصر خيار "بريكزيت". على مدى أسابيع من الحملة الاستفتائية، تم التهويل على الإنكليز خصوصاً بكل الماديات. قيل لهم: كل ما ستبرحونه على الورقة والقلم، هو 7 مليارات استرليني، هو الفارق بين 13 ملياراً تدفعونها كحصتكم من موازنة الاتحاد الأوروبي، مقابل 6 مليارات يدفعها الاتحاد لكم. لكن في المقابل خسائركم ستكون بعشرات المليارات: انخفاض الناتج أكثر من 2 في المئة. هروب رساميل. بطالة. ضرائب. رسوم جديدة من نحو 60 شريكاً تجارياً لكم. قيود على 45 في المئة من صادراتكم، هي نسبة ما تشتريه أوروبا منكم. ركود عقاري. تراجع مصرفي... هددوا بكل شيء، لكنهم فضلوا الهوية والخصوصية والسيادة.
إنه زمن الردة إلى الذات، رغم الندرة والحاجة. بعد زمن الانفتاح على الآخر لتعويض الوفرة. إنه زمن الهوليغنز في الكرة والسياسة والرئاسة، في عالم حكم التفاهة، كما وصفه ألان دونو.