بين ليلة وضحاها حقّقت المصارف أرباحاً بقيمة 930 مليون دولار، أي ما يوازي 49% من أرباحها السنوية. مصرف لبنان هو مصدر هذه الأرباح. آلية التنفيذ، كانت عبر آخر ابتكارات الهندسات المالية لاستقطاب الدولارات. أما الهدف فهو استعمال المبالغ المستقطبة لتغذية احتياطات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية.

قبل بضعة أشهر، وفدت بعثة من صندوق النقد الدولي إلى لبنان لإجراء تقييم مالي لميزانية مصرف لبنان. تقوم البعثة بهذا المهمّة كلّ عدّة سنوات ويشترط عليها مصرف لبنان أن تبقي النتائج سريّة. وبحسب مصادر مطلعة، أظهرت عملية التقويم أن هناك عجزاً هائلاً في الأصول الأجنبية الصافية لدى مصرف لبنان. وتحتسب الاصول الأجنبية الصافية على أساس الناتج الصافي مما يحمله مصرف لبنان من أصول أجنبية تدخل ضمنها الاحتياطات بالعملات الأجنبية من جهة، والمطلوبات الأجنبية المترتبة عليه من جهة اخرى. وبعبارة أبسط، يمكن القول إن الأصول الأجنبية الصافية تُحتسب نتيجة الفارق بين ما "يملكه" مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، وما يترتب عليه من ديون ومطلوبات أخرى بالعملات الأجنبية أيضاً.

أصدر المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً يفرض على المصارف أن تضيف هذه الأرباح إلى رأسمالها

بعض المصادر قالت إن العجزَ الذي "اكتشفه" البنك الدولي يبلغ 800 مليون دولار، فيما قالت مصادر مصرفية إن العجز يتجاوز 5 مليارات دولار. ومهما يكن حجم العجز، فإن مجرّد وجوده مؤشّر على نتائج السياسات النقدية التي يتّبعها مصرف لبنان منذ مطلع التسعينيات. وفي هذه الحالة، فإن المسار سلبي وتراكمي. فالسياسات لم تتبدّل، وهي تقوم على تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وعلى استقطاب الدولارات من الخارج لتمويل عجز ميزان المدفوعات. وهذا الأخير عاجز بسبب ضعف التدفقات الرأسمالية والعجز في الميزان التجاري.
باختصار، إن لبنان يستورد أكثر من 17 مليار دولار ويصدّر أقل من 3 مليارات دولار، وهذا يعني أنه يجب تمويل العجز الذي يدفعه لبنان بالعملة الأجنبية (الاستيراد يدفع بالدولار وباليورو). وبالتالي هناك حاجة كبيرة للعملات الأجنبية التي تأتي من أكثر من طريق، أبرزها التحويلات من المغتربين، والاستثمارات الأجنبية المباشرة. وهذان العنصران، شهدا ضعفاً كبيراً خلال السنوات الخمس الاخيرة، ولا سيما بعد انخفاض أسعار النفط التي انعكست سلباً على إنفاق الدول على المشاريع حيث يعمل المغتربون اللبنانيون ويرسلون قسماً من مداخليهم إلى لبنان، وحيث تمثّل هذه الدول مصدراً للاستثمارات المباشرة التي تأتي بهدف التوظيف الصناعي والعقاري والمالي.
أما السياسة التي يعتمدها مصرف لبنان لاستقطاب التدفقات الرأسمالية، فهي تكمن في رفع مستوى الفوائد المحلية على الدولار أعلى بعدّة نقاط من الفوائد العالمية... هكذا تأتي التدفقات الراسمالية لتصبّ في البداية لدى المصارف ثم يجري تسليفها للزبائن قبل أن تعود إلى المصارف مرّات عديدة لتوظّفها في الدين العام قبل أن يصبّ القسم الأكبر منها، في النهاية، لدى مصرف لبنان بعدّة أشكال منها احتياطات بالعملة الأجنبية وشهادات إيداع وودائع المصارف لدى مصرف لبنان. وهذا الأخير يعيد توظيفها في المصارف العالمية.
في المحصلة، إن ما اكتشفه صندوق النقد الدولي، وهو حذّر منه مرات عديدة في السابق، يعني أن الصيغة المعمول بها باتت تتغذّى على نفسها. وبصرف النظر عن حجم العجز، فإن المسار السلبي يرفع درجة المخاطر من حصول ارتدادات اقتصادية ونقدية بعضها قابل للاستيعاب وبعضها الآخر لا تسري عليه إلا إمكانية التأجيل وشراء الوقت.
تنفيذ سياسات مصرف لبنان كانت قائمة على هندسات مالية تدفع الدولارات الآتية إلى ميزانيته بسهولة وبكلفة مرتفعة نسبياً. حاكم مصرف لبنان اقرّ في عدّة مناسبات بوجود هذه الكلفة التي يذهب جزء منها لتعزيز أرباح القطاع المصرفي، إلا أنه تحدّث عن هذا الخيار بصفته خياراً شبه وحيد في ضوء الظروف الحالية... هذا يعني أن الهندسات المالية قد تختلف تبعاً لأوضاع السوق المحلية والإقليمية والعالمية، لكن جوهر هذا النظام هو نفسه لم يتغيّر.
إزاء نتائج تقويم البنك الدولي، قرّر مصرف لبنان اللجوء إلى هندسة مالية جديدة في ظل رفض عدد كبير من المصارف الاكتتاب في إصدار اليوروبوندز الأخير الذي أصدرته وزارة المال، واضطرار المصرف المركزي إلى الاكتتاب فيه من احتياطاته الأجنبية. ولتعويض ما تخلى عنه، عرض مصرف لبنان على المصارف التي تملك سيولة بالعملة الأجنبية (الدولار) أن يشتري منها سندات خزينة بالليرة اللبنانية ذات امد متوسط وبعيد بفائدة حسم صفر في المئة، وان يتقاسم مصرف لبنان معها عائدات هذه السندات مناصفة، مقابل أن تشتري منه سندات يوروبوندز يحملها في محفظته وتكتتب بشهادات إيداع بالدولار صادرة عنه.
سريعاً، وافقت المصارف على هذه العملية. فائدة حسم صفر في المئة كانت مغرية، أي إن المصارف ستسيل سندات تستحق بعد 5 سنوات و7 سنوات و8 سنوات و10 سنوات و12 سنة و15 سنة وصولاً إلى 30 سنة، بالسعر الحالي وتتقاسم مع مصرف لبنان الفائدة السنوية التي كانت ستحققها من هذه السندات.
والمغري أيضاً بالنسبة للمصارف، أن شراء سندات يوروبوندز (سندات بالدولار)، مضمون وشهادات الإيداع ايضاً هي ديون على مصرف لبنان وعوائدهما مجزية، فضلاً عن السيولة التي ستنتج من بيعها سندات الخزينة بالليرة اللبنانية ستكون فرصة للاكتتاب مجدداً بسندات خزينة جديدة وتحقيق أرباح إضافية.
المصارف الكبيرة لديها فائض ستتحرّره ليظهر في نتائجها المالية وتوزيع الأرباح في نهاية السنة

وبحسب مصادر مصرف لبنان، فقد جرت مناقشة هذا الأمر بتفاصيله في المجلس المركزي للمصرف، فتبيّن أن الأرباح التي حققتها المصارف من هذه العملية بلغت 930 مليون دولار. وقالت مصادر مطلعة، إن حجم المبالغ التي جمعها مصرف لبنان من هذه العملية بلغت 3 مليارات دولار، أي إنه تمكّن من تغطية العجز في الأصول الأجنبية الصافية أو على الأقل تحسين نتائجها.
المشكلة الجوهرية، أن هذه الهندسات المالية، مهما يكن شكلها، ستعيد إنتاج نفسها. فما يستقطبه مصرف لبنان من دولارات هي مودعة لديه من المصارف، أو استدانها من المصارف. وبالتالي فإن تحسين بنية الاحتياطات بالعملات الأجنبية لا يحسّن فعلياً الاصول الأجنبية الصافية، بل يفاقمها رغم أنه يجري عملية تجميل مؤقتة لها. والهدف من تجميع الاحتياطات بالعملات الأجنبية هو تكوين مبالغ تتيح له التدخّل في الأسواق للحفاظ على سعر صرف الليرة وعلى تكريس ما تسمّى «الثقة». كلما كانت هذه الاحتياطات كبيرة، ازداد منسوب الثقة التي يخلقها مصرف لبنان من أجل استقطاب المزيد.
على اي حال، فإن الأرباح الهائلة التي حققتها المصارف من هذه العملية، ستعزّز ميزانياتها ولكن لن تكون جاهزة للتوزيع على مساهمي المصارف. فقد أصدر المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً يفرض على المصارف أن تضيف هذه الأرباح إلى رأسمالها (المساعِد)، «تحضيراً لمتطلبات المعيار الدولي للتقارير المالية الرقم 9 (IFRS9) التي تسري ابتداء من 1 كانون الثاني 2018». ويشير قرار مصرف لبنان إلى أن أي مبالغ تزيد على متطلبات المعيار الدولي المذكور «يتعيّن على المصرف المعني الحصول على موافقة المجلس المركزي لمصرف لبنان لتحريرها». وبحسب مصادر مصرفية مطلعة، فإن المصارف الكبيرة في لبنان المصنّفة «ألفا» لديها فائض ستعمل على تحريره خلال الأيام المقبلة ليظهر الأمر في نتائجها المالية وتوزيع الأرباح في نهاية السنة.
بهذه "الهندسة" يكون مصرف لبنان قد أعاد تجميع بعض احتياطاته الأجنبية المستنزفة خلال السنة ونصف السنة الاخيرة، وتكون المصارف قد حققت أرباحاً طائلة وكوّنت فيها مؤونات لتلبية متطلبات دولية، فضلاً عن تحرير قسماً منها لتعزيز نتائجها المالية. أما النموذج المالي والنقدي المعتمد في لبنان، فهو وحده الذي يكون قد تآكل أكثر.