لم تطرأ تغيّرات حقيقية على عمليات المصارف في عام 2015 بما يؤدي إلى تغيير بنيوي في نتائجها المالية. فهي استمرّت في ممارسة لعبة «ابتزاز» الدولة من خلال الامتناع عن المشاركة في تمويل الديون الجديدة، وواصل مصرف لبنان الحلول مكانها كمصدر أساسي لتمويل الدين العام من دون أن يعاقبها، بل منحها هدايا مجزية من خلال إصدار شهادات إيداع وتسليفات خاصة وسلّات تحفيزية... أرباح المصارف، على عكس كل مؤشرات السوق السلبية، ارتفعت بنسبة 9.6% في نهاية 2015 وبلغت 1.9 مليار دولار.

عقدت مصارف لبنان جمعية عمومية أمس لمناقشة جدول أعمال يتضمن التقرير السنوي وقضايا أخرى تتعلق بالأوضاع المستجدّة لدى المصارف. التقرير السنوي يظهر أن المصارف حققت إيرادات بقيمة 7028 مليار ليرة في 2015، في مقابل أعباء ومؤونات بقيمة بقمة 3685 مليار ليرة، أي إن أرباحها قبل الضريبة بلغت 3343 مليار ليرة، أو ما يوازي 2.21 مليار دولار. الأرباح ناتجة من الفوائد والعمولات المحصلة من الزبائن ومن التجارة بالأدوات المالية وبالعملات وبعض الإيرادات الأخرى. أما الأعباء، فهي تتركّز في الفوائد التي يدفعها المصرف على الودائع وكلفة التشغيل والضرائب.

المصارف أودعت مصرف لبنان 7 مليارات دولار في 2015

تدفع المصارف فوائد على ودائعها وتقبض قيمة الفوائد المحققة على التسليفات للزبائن وتوظيفاتها في الدين العام. التقرير يشير إلى أن المصارف حدّت من توظيف المبالغ في الدين العام، مشيراً إلى أنه طرأت تغييرات على بنية توظيفات المصارف «فقد تابعت حصّة الودائع لدى مصرف لبنان منحى الارتفاع لتصل إلى 37.9% من مجمل التوظيفات في نهاية عام 2015. وفي المقابل تابعت حصّة التسليفات للقطاع العام تراجعها لتصل إلى 20.3% في نهاية 2015، كما استمرّت حصّة الموجودات الخارجية بالتراجع لتصل إلى 12.8%، فيما استقرّت التسليفات الممنوحة للقطاع الخاص المقيم على 25.8% بعد ارتفاعها ولو على نحو بسيط في السنوات السابقة».
ما يرد في التقرير السنوي يكشف عن دور مصرف لبنان في إنتاج هذه الأرباح للمصارف. فهو يوظّف لها أكثر من ثلث توظيفاتها، وهو الذي يحفّز التسليفات للزبائن من خلال سلات التحفيز التي أطلقها قبل سنوات واستمرّت إلى اليوم والتي أصبحت مسؤولة عن نصف معدلات النموّ. وهو الذي يحلّ محلها في تمويل احتياجات الدولة «التي تراجع اعتمادها على التسليف المصرفي وقيام مصرف لبنان بالتعويض واستعمال الدولة جزءاً من ودائعها لتغطية ما بقي، في حين أن مساهمة القطاع الخاص (المصارف) أفضل حالاً ولو أنها بقيت أدنى مما كان ممكناً تحقيقه في ظروف طبيعية، وفي ظل الدعم الذي تقدّمه السياسة النقدية من خلال سلسلة الحوافز».
إذاً، مصادر الربحية تكاد تكون محصورة بمصرف لبنان. المصارف تعمل ضمن وظيفة شبه ثابتة منذ سنوات طويلة، وهي متابعة القيود اليومية لتوظيفاتها التي يحرّكها مصرف لبنان أو الدولة اللبنانية!
هذا يعني أن وظيفة ودور المصارف لم تعد الابتكار والمخاطرة في إدارة الودائع المؤتمن عليها، بل باتت محصورة باللعبة القديمة التي مارستها على مدى السنوات الماضية بهدف رفع الفوائد وتعزيز ربحيتها. وما يؤشّر على ذلك، أن نسبة الفوائد المحصلة تبلغ 85% من مجمل الإيرادات.
على أي حال، يقول رئيس جمعية المصارف جوزف طربيه، إن القروض للقطاع الخاص زادت بقيمة 3.3 مليارات دولار، وإن التمويل للدولة اللبنانية زاد بقيمة 448 مليون دولار «وأودعنا المصرف المركزي ما يوازي 7 مليارات دولار، بما قوّى احتياطياته، ولا سيّما بالعملات الأجنبيّة».
كلام طربيه لا يمكن تفسيره بأكثر من طريقة، إذ إن الجزء الأكبر من الاحتياطات بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان هي للمصارف أصلاً (تجمعها من المودعين في الأساس)... فإذا كانت المصارف قد وضعت 7 مليارات دولار في سنة واحدة لدى مصرف لبنان، فما هي حصّتها من الـ36 مليار دولار التي يضعها مصرف لبنان في ميزانيته على أنها احتياطات بالعملات الأجنبية؟ واللافت أنه رغم الـ7 مليارات الموضوعة من المصارف بتصرف مصرف لبنان، فإن الاحتياطات بالعملات الأجنبية تراجعت بقيمة 2.7 مليار دولار في 2015 من 48.8 مليار دولار في نهاية كانون الأول 2014 إلى 46.1 مليار دولار في نهاية كانون الأول 2015.