لا تنفك السعودية تتحيّن الفرص من أجل فرض نفسها لاعباً على الساحة الداخلية العراقية. والحرب الكلامية التي بدأتها، قبل فترة، على «الحشد الشعبي» والتي غالباً ما كان يخوضها سفيرها في بغداد ثامر السبهان، شهدت أخيراً تصعيداً لافتاً، تمثل في التصريح الذي أطلقه وزير خارجيتها عادل الجبير من باريس، حيث قال إن «الحشد الشعبي طائفي يتبع لإيران... ويجب تفكيكه»، داعياً في الوقت ذاته إلى تشكيل حكومة تضم جميع المكونات العراقية.

أثار الجبير بذلك الكثير من ردود الفعل الشاجبة والمستنكرة على المستوى الرسمي خصوصاً، إلا أن آخر ما جاء في هذا الإطار بيان صادر عن هيئة «الحشد الشعبي» نشر على موقعها الرسمي، فجر أمس، شددت فيه على أن تصريحات الجبير «تجاوزت كل الحدود وأفصحت عن الوجه الحقيقي للنظام السعودي، بالتزامن مع انتصارات الحشد الشعبي والقوات الأمنية ضد الإرهاب الداعشي في الفلوجة»، مشيرة إلى أن الرياض تسخّر المال السياسي والآلة الإعلامية للنيل من «الحشد» وتضحياته. وطالبت الهيئة «الأمم المتحدة التي أشادت مؤخراً بدور قوات الحشد الشعبي في تحرير مدينة الفلوجة، باتخاذ موقف من الحملة المغرضة ضد الحشد الشعبي الذي يعتبر اليوم أهم قوة تقاتل داعش في العالم»، فيما دعت الدبلوماسية العراقية إلى اتخاذ موقف حازم من تكرار الإساءات السعودية.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد أشاد، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الحكومة حيدر العبادي، بدور قوات «الحشد الشعبي» في تحرير الفلوجة، بحسب بيان لمكتب الأخير. تلا ذلك موقف مماثل من ممثله الخاص في العراق يان كوبيش، الذي أشاد خلال لقائه برئيس الوزراء السابق نوري المالكي أمس بـ«الانتصارات المتتالية» للقوات الأمنية و«الحشد الشعبي».

«الحشد» طالب الأمم المتحدة باتخاذ موقف من الحملة السعودية

ولم يختلف الموقف الرسمي كثيراً عن موقف «الحشد الشعبي»، فقد أصدرت وزارة الخارجية بياناً في ساعة متقدمة من صباح أمس، عبّرت فيه عن انزعاجها ورفضها لـ«التدخل المتكرر من قبل الخارجية السعودية في شؤون العراق الداخلية».
وقال المتحدث باسم الوزارة أحمد جمال، في البيان، إنّ «الحكومة العراقية مكونة من كافة فئات الشعب العراقي، وهي نتاج لممارسة ديموقراطية، ومن الأجدر ببعض الدول منع مواطنيها عملياً من اعتناق الفكر التكفيري المتطرف والالتحاق بداعش»، مشيراً إلى أن «معركتنا ضد داعش مستمرة، والنصر الذي تحقق في الفلوجة سيتعزز بانتصارات أخرى... ولن تثنينا بعض التصريحات عن المضي فيها حتى تحرير كامل مدننا المغتصبة».
وفي السياق، اعتبر رئيس الحكومة حيدر العبادي أن «الإساءة للحشد الشعبي تعتبر إساءة لكل العراقيين»، مشيراً خلال لقائه بقيادات في «الحشد الشعبي» إلى «رفضه للأصوات التي لا تسمح للعراقي بأن يقاتل ويحرر أرضه، ويشارك في المعارك ومنها معركة تحرير الموصل إنما المعركة هي من تحدد ذلك»، في موافقة ضمنية على مشاركة «الحشد» في معركة تحرير الموصل المرتقبة.
وفي هذا الوقت، لا يزال رتل «داعش» الذي قيل إن «التحالف الدولي» والقوات الأمنية رفضت استهدافه «بناء على وجود اتفاق مسبق» يثير لغطاً واسعاً، وخصوصاً بعدما اتهمت أطراف القوى الأمنية باتفاق مسبق في هذا المجال. وقد أعرب العبادي عن استغرابه من «الشائعات الهائلة التي تطلق»، موضحاً أن «يوم أمس (أول من أمس) شهدت بعض المبالغات بوجود 700 سيارة لعصابات داعش، حيث أن الحقيقة إن هناك مجموعة من السيارات للعصابات الإرهابية، وتمت إبادة الدواعش الذين حاولوا الهرب بعدما حوصروا لأنهم لم يكونوا يتوقعون هذه الهزيمة، وبعضهم نبحث عنهم وعدد القتلى من الدواعش كبير».
لكن رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية حاكم الزاملي كشف أن الرتل، الذي جرى الاختلاف حول عدد سياراته بين 250 – 500 سيارة، كان لديه تنسيق مسبق مع جهة دولية لم يكشف عنها هروبهم من الأراضي العراقية، مضيفاً أن الرتل انطلق من مناطق في غربي الفلوجة باتجاه صحراء الأنبار، مساء أول من أمس.
وأوضح الزاملي لـ«الأخبار» أن قيادة العمليات المشتركة اتصلت بـ«التحالف الدولي»، لكن الأخير تذرع بسوء الأحوال الجوية، مشيراً إلى طيران الجيش والقوة الجوية قاما باستهداف نحو 450 عجلة وقتل المئات من عناصر «داعش» الذين كانوا بداخلها، فيما فرّ الناجون باتجاه سوريا.