قبل نحو ثلاث سنوات، كان الكلام كثيراً وكبيراً عن نجاح الوزير جبران باسيل في إبرام اتفاق نفطيّ ــــ رئاسيّ يقضي بفتح رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون، في حال انتخابه رئيساً، الأبواب المغلقة أمام الشركات الأميركية للتنقيب عن النفط اللبنانيّ.

لكن سرعان ما وضع رئيس مجلس النواب نبيه بري، العصيّ في دواليب باسيل النفطية، مغلقاً الباب التشريعيّ والوزاري بإحكام أمام التسويات الأميركية بشأن الحدود البحرية المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل. وبدل مصارحة الرأي العام بما يحصل في هذا الملف المهم، انتهى الأمر بتسريبات عن وجود خيارين أمام النفط اللبناني: الانضمام إلى خط الغاز الأميركي ــــ الإسرائيليّ أو انتظار الخط الروسيّ ــــ السوريّ.
لاحقاً، رغم الكلام الكثير عن وجود النفط كطبق رئيسيّ على مائدة الرئيس سعد الحريري والنائب سليمان فرنجية، بقي الملف النفطي بعيداً عن الأنظار وخارج نقاط السلة المتكاملة التي يستذكرها السياسيون بين تصريح وآخر. وفي هذا الوقت، تراجع اهتمام الشركات الأميركية بالنفط اللبناني بحكم: تراجع أسعار النفط والغاز، ارتفاع تكلفة الاستخراج وإعلان عدة شركات كبيرة عدم اهتمامها بحفر الحقول العميقة على غرار نصف الحقول اللبنانية، تعثر خطط التصريف الإسرائيلية للغاز، واكتشاف كميات غاز أكثر من المتوقع في الحقول المصرية وأقل من المتوقع في الحقول الإسرائيلية.
فجأة، عُقد لقاء بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الطاقة الإسرائيلي على هامش قمة الأمن النووي في واشنطن قبل ثلاثة أشهر، تبعه إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 27 حزيران بأن اتفاق تطبيع العلاقات مع أنقرة يفتح الطريق أمام إمكانية تصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا. علماً أن الاتفاق الذي يوفر للإسرائيليين موارد مالية هائلة يمثل في الانطباع الأول ضربة موجعة لروسيا، إلا أن الروس لم يبادروا إلى أيّ ردّ فعل سلبي. لا بل، ما كاد أردوغان يعبّر عن اعتذاره أخيراً عن إسقاط المقاتلة الروسية حتى سارعت شركة غاز بروم الروسية إلى إعلان تطلعها إلى استئناف المحادثات مع تركيا بخصوص مشروع خط أنابيب "السيل التركي" الذي يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي الروسي إلى الدول الأوروبية عبر الأراضي التركية. وهو المشروع الاستثنائيّ من حيث الأهمية بالنسبة إلى الروس بحكم بحثهم عن طريق بديل لأنابيب الغاز إلى أوروبا، مع اقتراب موعد انتهاء اتفاقهم مع أوكرانيا في 2019.

حل أزمة الحقول اللبنانية المتنازع على حدودها يحل أزمة من أين يبدأ

لكن لم يصدر في المقابل أي موقف تركي رسمي يوضح النيات التركية، ويبين ما إذا كان الاتفاق التركي ــ الإسرائيلي: 1ــ بديلاً من الاتفاق التركي - الروسي؛ 2ــ مجرد فزاعة لوّح بها الأتراك في ظل حاجتهم الاقتصادية ــ السياحية والأمنية لموسكو؛ 3ــ مورد دخل إضافي للأتراك الذين يسعهم التنسيق بين السيلين الروسي والإسرائيلي، خصوصاً أن كمية المخزون الاسرائيلي لا تقارن أبداً بالمخزون الروسي والحاجة الأوروبية للغاز الطويلة الأمد.
معلومات "الأخبار" تحدثت أمس عن تفاهم بين وزير المال علي حسن خليل ومسؤولين روس في خلال زيارته لموسكو أواخر حزيران الماضي. وأشارت التفاصيل إلى حل الأزمة التي أقفل عندها الملف بإعلان موسكو التزامها العمل في البلوكات الثلاثة اللبنانية الجنوبية المجاورة للبلوكات الفلسطينية المحتلة، مع التزام موسكو معالجةَ أي أزمات قد يفتعلها العدو. وهو ما يضاعف الثقة بوجود اتفاق تركي ــــ روسي ــــ إسرائيلي نشط بري وباسيل لمواكبته، في ظل تقديرات بتمتع الاتفاق بدعم ومباركة الشركات النفطية الأميركية العاملة في إسرائيل. فهذه الشركات تحتاج إلى تصريف الإنتاج الإسرائيلي اليوم أكثر من أي شيء آخر، وكانت شركة "نوبل انرجي" الأميركية التي حصلت على امتياز التنقيب في معظم البلوكات الإسرائيلية قد بلغت في إحباطها قبل بضعة أشهر حد عرضها للبيع عدة حصص في حقل "تمار" الذي يعتبر أكبر حقل للغاز الطبيعي في المنطقة ويقع على عمق 1700 متر تحت سطح البحر المقابل لمدينة حيفا. كذلك إن تقديم الروس كل الطمأنات اللازمة للرئيس بري بشأن حقوق لبنان النفطية، يعني أن الشركات الأميركية قدمت للروس تنازلات رفضت تقديمها للحكومة اللبنانية عبر المبعوثين اللبنانيين سابقاً. فهؤلاء واصلوا قبل عامين تقديم العرض نفسه للحكومة اللبنانية بشأن حصولها على 75% من عائدات الحقل المتنازع على حدوده، وذهاب 25% من العائدات إلى حساب دوليّ مستقل في انتظار ترسيم الحدود. لكن بيروت كان ترفض هذا العرض، ولا أحد يعلم بعد ما قبلت به أخيراً ليعاد وضع الملف على نار حامية. فالملف وضع في الجارور دون مصارحة الجمهور بالأسباب، وأخرج من الجارور من دون حضور وزير الطاقة أرتور نظاريان، وبلا أي إيضاحات أيضاً. علماً أن باسيل كان يقترح منذ أربعة أعوام أن يبدأ التنقيب من الشمال، وتحديداً من البترون، حيث مكامن الغاز أقل عمقاً مما هي في الجنوب، ولا توجد مشاكل حدودية، إلا أن الرئيس بري كان يتمسك بالبدء من الجنوب حيث توجد مشاكل حدودية. ولا شك في أن حل أزمة الحقل المتنازع على حدوده، يحل أيضاً أزمة التلزيم، بحيث يمكن بدء التنقيب الآن من الجنوب أو الشمال أو الاثنين معاً. وكانت هيئة إدارة البترول قد أنجزت أكثر من 90% من الأمور التقنية المرتبطة بعملية التنقيب، في انتظار إصدار مراسيم اتفاق الاستكشاف والإنتاج ودفتر الشروط والترسيم النهائي للبلوكات البحرية التي خففت مصادر دبلوماسية متابعة للملف من قدرة رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة أو غيره على تأخيرها أو عرقلتها ما دام هناك قرار دولي بالإفراج عن النفط اللبناني. فحين تسير الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل، ليس من طبيعة السنيورة وضع أو محاولة وضع العصي في الدواليب.
أخيراً، لا شك أن ثنائية عين التينة وطبقها الرئيسي تذكر بثنائية باريس والطبق نفسه، مع فارق بسيط هو أن بري وباسيل لاعبان أساسيان في هذا الملف، فيما الحريري وفرنجية لاعبان أقل من ثانويين ما دامت كلمة السر السورية في الجَيب الروسي لا في بنشعي، وكلمة السر الأميركية هي مصلحة شركات النفط لا لدى آل الحريري. أما أهمية صورة بري وباسيل رئاسياً، فليست أبداً في التوصيف الضيق لها بأنها تقارب بين بري والعماد ميشال عون، إنما أكثر من ذلك بكثير. فهي تفيد بأن الولايات المتحدة قادرة على تأمين مصالح شركاتها في المنطقة ولبنان دون المرور ببيت الوسط، وهذه ضربة موجعة للحريري. ولا شك أخيراً أن العماد عون سيكون قادراً على التفرج على الفراغ الرئاسي بضعة أشهر إضافية، مفاخراً بأنه أبو الثروة النفطية وأمها، فيما الحريري خضّ البلد من أجل تحسين أرباحه من النفايات، ولا يسعه التفرج من بعيد لبعيد على دفاتر الشروط وتسابق الشركات وانطلاقة المناقصات. علماً أن رجال أعماله أسسوا قبل عامين كل الشركات اللازمة لولوج هذا القطاع واستغلاله إلى أقصى درجة ممكنة كما فعلوا في القطاعات الأخرى. وعليه يمكن القول إن صورة بري وباسيل تزيد الخناق على الحريري في زاويته الضيقة.