كثيرة هي أسرار الغاز وألغازه. معظمها من النوع المحظور. بعضها القليل يتركه المعنيون خارج صفة التابو. لكنه يكفي للتأشير إلى ما خلفه من لجج أعمق من مكامن الغاز نفسه.

ملف الغاز اللبناني مثلاً، تحرك أواخر ايار الماضي. فجأة طبعاً. كما يكون كل شيء مفاجئاً في المجتمعات المحكومة بآليات التحكم عن بعد. فجأة وصل إلى بيروت رجلان آتيان من واشنطن. دانييل غلايزر الشهير. وآموس هوكستاين منافسه على الشهرة عندنا. الأول جاء على طريقة صائدي الجوائز في أفلام الأكشن الأميركية. معه اسم واحد: حزب الله. جاء ليشرح ويفسر ويسهب في أن إدارته جادة وجدية في اضطهاد الحزب – المقاومة، حتى النهاية. أما هوكستاين فجاء وفي جعبته نصيحة واحدة أيضاً، لكن من نوع آخر: إذهبوا إلى استخراج غازكم بسرعة. وكيفما كان. من دون التوقف أو التعثر عند تفاصيل من هنا أو اعتبارات من هناك. أطلقوا آلية استثمار ثرواتكم البحرية بسرعة. ولا تدعوا أي عائق تقني أو سياسي أو قانوني يعيق ذلك.
لماذا جاء الرجلان معاً؟ سؤال سيظل جوابه ضمن خانات المحرم. أقله في المرحلة الراهنة. علماً أن الجواب موجود في أذهان كثيرين ومعروف من قبل المسؤولين. هل هي ثنائية عصا غلايزر وجزرة هوكستاين؟ ربما. لكن الغاية الفعلية من جدلية ملاحقة حزب الله مالياً حتى خنقه من جهة، ومطالبة لبنان بأن يكون بلداً نفطياً غنياً مالياً من جهة أخرى، تظل أبعد من حسابات الأميركي ومصالحه المباشرة. وقد تكون أقرب إلى حسابات قريبة من لبنان، ومن مكامن غازه تحديداً...
في شكل متزامن مع سمفونية غلايزر ــ هوكشتاين، كان الطليان، جيراننا المتوسطيون، يحققون تقدماً غازياً كبيراً في جوارنا. في مصر سيطروا على القطاع عبر شركة ENI الإيطالية. والشركة نفسها شغالة في قبرص أيضاً. هكذا صار الإيطالي مسيطراً إلى حد كبير على المشهد الغازي للحوض المتوسطي. يكفي إنجاز اتفاق بين مصر وقبرص وإيطاليا أو أي طرف أوروبي آخر، حتى تكتمل سلسلة السوق. من المصدرين المصري والقبرصي إلى أوروبا عبر هذه الجزيرة، ليصير هذا الخط متحكماً في قسم ملحوظ من طرق نقل الطاقة إلى الدول الغربية.
أرسلت الشركة الإيطالية إلى بيروت أكثر من موفد ووسيط وصديق. حملوا جميعاً رسالة واحدة إلى المسؤولين اللبنانيين: الوقت ينفد بسرعة بالنسبة إليكم. أمامكم سنتان أو ثلاث سنوات على أبعد تقدير. إن لم تصبحوا خلال هذه الفترة حاضرين في سوق الغاز الفعلية في الحوض الشرقي للمتوسط، فستبقون خارجها إلى الأبد، أو إلى أمد بعيد بشكل مؤكد. إذا أسرعتم، يصير غازكم ثروة مستقبلية قابلة للتسعير بمئتي مليار دولار. أما إذا لم تفعلوا، فسيتحول غازكم ــ عند استخراجه بعد عمر طويل ــ لمجرد الاستهلاك المحلي فقط. تصبح قيمته مساوية تماماً لكلفة قوارير غاز منازلكم لا غير. مليار دولار بهامش بسيط صعوداً أو نزولاً. ففي وقتكم الضائع هذا، سيكتمل استخراج الغاز المصري الوفير أصلاً، وكذلك القبرصي. ويرتبطان معاً. وتتجسد سكة تسويقهما في الغرب. وستنخفض كلفة استخراج الغاز الصخري حول العالم، ويكمل الاقتصاد الدولي ركوده. وبالتالي يتواصل تراجع الأسعار كما الحاجة إلى الطاقة، فيما تتقدم بشكل مواز عمليات الاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة...
أكثر من ذلك، نقل الطليان إلى اللبنانيين كلاماً آخر تحذيرياً. على هامش تشجعيهم، تذكروا فجأة: بالمناسبة، نسينا أن نحذركم بأن اسرائيل بدأت الاستخراج. لا بل أصابت أحد مكامن غازكم. ما تسمونه بلوك 8 صار اسرائيلياً. طبعاً لم يعتدوا عليه عند سطح البحر. ولم يبلغوا مكمنه بواسطة الحفر الأفقي. لكنهم أصابوا مكمناً ضمن منطقتهم الخالصة، يشترك مع البلوك 8 اللبناني في المكمن الجوفي العميق. فخذوا علماً بذلك.
الذين يعرفون شركة ENI، يدركون أننا نتكلم عن عملاق يعمل في نحو 80 بلداً. موازنتها توازي أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج اللبناني، وأرقام أعمالها تساوي عشرة أضعاف موازنة الدولة اللبنانية. أكثر من ذلك، الذين يعرفون من هم وكلاء الطليان عندنا، ومن هم ممثلوهم الحصريون، يدركون أن قدرتهم على الإقناع كبيرة...
لكن كل ذلك لا يكفي. فالمسألة تحتاج إلى غطاء أكبر في السياسة والأمن الإقليميين والدوليين. هنا جاء دور موسكو. في لحظة مذهلة من التقاطعات، صارت موسكو فعلاً واجب الوجود في معادلة الغاز اللبناني. فهي على علاقة جيدة مع واشنطن. لا بل شريكة لها في تخصيب الحل السوري. وهي شريك غير معلن في مثلث التقاطع الغريب العجيب، مع تركيا واسرائيل. وهي أصلاً محطة غاز دولية أكثر مما هي دولة اقتصادية فعلية، كما ظل خبراء الاقتصاد الأميركي يعيرونها، حتى زمن قريب. هكذا اكتملت الدوافع والأسباب. فدخل الروس على الخط، أمنوا في السياسة ما كان ناقصاً من قدرة إقناع لدى الطليان في الاقتصاد وملحقاته.
المهم أن العملية انطلقت. ما تبقى تفاصيل أكثر مما سبق. وبعضها قد لا يخلو من شياطين، بالمعنى الحرفي لا المجازي. تماماً مثل ثنائية غلايزر – هوكستاين الشيطانية.