يستحق تاريخ 12 تموز 2006 الكثير من التدقيق وإعادة القراءة والتقويم. فكيف في ذكرى مرور عشر سنوات عليه. وخصوصاً في ظل انقسام سياسي، لا يخلو من طابع طائفي أو مذهبي، حيال كل ما يتعلق بهذا التاريخ. من أسباب وخلفيات، مروراً بوقائع وحيثيات، انتهاء إلى النتائج والتداعيات.

أول انقسام ظهر منذ اللحظة الأولى لاندلاع حرب 12 تموز 2006، ولا تزال رواسبه حاضرة اليوم، كان حول أسباب الحرب. فريق السلطة القائمة يومها، بتكوينه الداخلي والخارجي، والمناوئ لحزب الله، تبنى منذ إذاعة خبر الاشتباك نظرية التهور والخطأ وتوريط لبنان في المجهول. نظرية جمعت عناصرها ونسجت خيوطها وحيكت روايتها بتأن وتفصيل. قبل الحادثة بوقت قليل كانت جلسة للحوار الوطني في مجلس النواب يومها. وكان السيد حسن نصرالله مشاركاً. وصار حديث عن تطمينات حول صيف آمن للسياحة والازدهار. بعدها جاءت وتيرة الوحشية الصهيونية خلال الحرب، فضلاً عن انكشاف بعض العداء العربي للمقاومة، وصولاً إلى ظهور الجهوزية الدولية للقضاء عليها، وانتهاء بشفافية كلام السيد عن فرضية "لو كنت أعلم" ... كل ذلك، سمح لفريق السلطة بأن يرفع مقولة أن مسؤولية الحرب تقع على حزب الله.
في المقابل، كان فريق المقاومة يراكم يوماً بعد يوم، اعتقاداً راسخاً بأنه استبق حرباً كبيرة عليه وعلى لبنان، تلامس نوع المؤامرة المتعددة الأضلع والأدوار والمسؤوليات. جهوزية اسرائيل أولاً، للانتقال الفوري من وضعية حادث حدود، بمفهوم القانون الدولي، إلى وضعية حرب شاملة، شكلت دليلاً أول على تلك المؤامرة. الجهوزية العربية والدولية للانقضاض على حزب الله كانت في آنيتها وفوريتها، دليلاً إضافياً. بعدهما جاءت كل الأدوار المنسقة والمتناغمة، في الهجوم على المقاومة من كل الجهات وعلى كل الجبهات، لتزيد القناعة رسوخاً، بأن شيئاً ما كان محضراً وجاهزاً وينتظر صاعق الانقضاض على حزب الله. صاعق كان يحضر لينفجر في توقيت ما مناسب لاسرائيل صيف 2006 أو نهايته، لكن الإبكار بعض الشيء لم ينقص المخطط أياً من عناصره المعدّة، فاندلعت فوراً تلك الحرب الشاملة على المقاومة وفريقها، عسكرياً وأمنياً وسياسياً وشعبياً وإلكترونياً واتصالاتياً... كأنما أمر العمليات كان منجزاً مسبقاً، وكل لاعب كان على دراية كاملة بدوره، لا بل تدرب على القيام به مراراً، حتى جاء الأداء شبه كامل. أكثر من ذلك، لم ينفع في حسم هذه الثنائية أن البعض خارج لبنان كان قبل 12 تموز 2006، يتنبأ ويرهص بأن سيناريو كوسوفو آت إلى بيروت ذاك الصيف. فظل الانقسام قائماً، كأنما في الوطن وطنين، أو كأنها كانت حربين في حرب.
بعدها جاءت إشكالية تقرير من انتصر في الحرب. حيث لاحت مفارقة أولى من نوعها في التاريخ. تلك التي قيل إن برلمانياً بريطانياً عبر عنها ببلاغة، بعدما زار كلاً من تل أبيب وبيروت. قال إنه وجد هناك مهزوماً يعترف بهزيمته، ووجد هنا منتصراً يرفض الاعتراف بانتصاره أو تبنيه أو قطف ثماره أو حتى التعامل معه على أنه ربح. وحده وليد جنبلاط خرق صفه يومها – كم يفعل دوماً عند الأزمات – وخرج معلناً انتصار حزب الله، ومتسائلاً إلى من سيهديه السيد نصرالله. علماً أن الفريق الذي وجه إليه السؤال لا يطرحه أصلاً. فهو يدرك حتى اليقين الواقعي والمبدئي، أنه في لبنان لا يمكن لفريق أن ينتصر على آخر. وأن أي وهم كهذا هو أول خطوة صوب هزيمة لاحقة حتمية. فكان إهداء النصر إلى لبنان. لأنه وحده كمشروع دولة قادرة عادلة قوية، يمكن أن يثمر انتصارات للجميع. ومع ذلك، ظلت الإشكالية قائمة ولا تزال: هل انتصرت المقاومة في حرب تموز 2006، أم هزمت؟ ومعها، هل انتصر لبنان أم هزم؟ إشكالية تركت آثارها العميقة على مختلف المسارات اللاحقة وعلى كل التطورات التي تلت تلك الحرب. لا بل أدت عملياً إلى شرخ في السلوك والموقف والأداء السياسي والوطني، ظل يتفاقم ويتفاعل، حتى انفجر حكومياً بعد أشهر قليلة، وصولا إلى انفجاره في الشارع بعد أقل من سنتين.
وصولاً إلى الانقسام الثالث، حول تداعيات هذا النهار. أي نتائج خلفها على مستوى لبنان والكيان الصهيوني والمنطقة. بعد أقل من خمسة أعوام على تلك الحرب، وفي لحظة لا تخلو من تسرع، بادر فريق بعض المقاومة مطلع العام 2011 إلى اعتبار أن بوادر ما سمي الربيع العربي يومها، كانت من ثمار انتصار تموز. أخطأ التقدير كما ثبت لاحقاً. لكن الفكرة في خلفيتها تظل صحيحة. أن الشعوب العربية تحتاج إلى تمكين ثقتها في الانتصار على قيودها. كل القيود. الداخلية منها قبل الخارجية. وأن الثورة الضائعة قبل خمسة أعوام، كانت فعلاً من نتاج حرب تموز. إن لم تكن في يقظة الشعوبـ، فعلى الأقل في محاولة تطويق المقاومة بالنار المذهبية في كل محيطها، وفي ضرب بعدها الحيوي اللبناني، وبكسر جسورها الإقليمية الاستراتيجية. وهو ما يفسر بعض ما يحصل من حولنا، وكل ما يعتمل عندنا سياسياً ورئاسياً تحديداً. في المقابل، لا يزال الفريق المناوئ لحزب الله يعتقد أن تلك الحرب أعطت اسرائيل حدوداً شمالية أكثر أمناً من أي عقد صهيوني سابق...
في 12 تموز 2016 لا تزال الانقسامات نفسها ترسم المشهد اللبناني والشرق أوسطي وتتحكم بأحداثه. لكن في مواجهتها، هل يمكن لميثاق لبناني ما أن ينتج توافقات ثلاثة مقابلة؟ أن اسرائيل عدو، وأن الإرهاب كذلك، وأن لا أحد ينتصر في لبنان من داخله أو خارجه، إلا على حساب كل اللبنانيين؟ هو ميثاق حفر بالدم، حتى بات وجداناً تأسيسياً لمواطنيتنا. ولا يحتاج إلى أي مؤتمر تأسيسي آخر.