تقول معلومات شخصية سياسية من قوى 14 آذار إن جل ما اتفق عليه الرئيس سعد الحريري ورئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، في سحورهما في بيت الوسط، هو كيفية مواجهة استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة إذا لم يكن بد من إجرائها على أساس قانون 1960، واستعادة غطاء 14 آذار لخوضها.

وفق هذه المعلومات، تبدو الغلبة بين الانتخابات النيابية والانتخابات الرئاسية، حتى الآن، للأولى. إذ لا يمكن تلمس أي لقاء سياسي، ولا سيما على مقلب التيار الوطني الحر الذي بدأ الاستعداد داخل التيار لاختيار أسماء المرشحين، ولدى الاحزاب المسيحية والشخصيات المنضوية تحت لواء 14 آذار، من دون أن يكون الكلام عن قانون الانتخاب والاستعداد للانتخابات النيابية مادة أساسية، تضاف إلى النقاشات الحيوية حول الوضع الإقليمي وتطورات سوريا ودور المسيحيين بين الانتشار الإيراني والمدّ الأصولي السني.
في خضم الفراغ السياسي الحالي، ثمة تسليم واضح بأن لا انتخابات رئاسية في المدى المنظور، وأن من كان يعترض على إجراء الانتخابات النيابية قبل الرئاسية، كالقوات اللبنانية مثلاً، بات يدوّر الزوايا في البحث عن مخرج لخوض الاستحقاق الانتخابي الذي بات في حكم الأمر الواقع. يصرّ الرئيس نبيه بري على تكرار لازمة رفض التمديد للمجلس النيابي، وهذا يعني أنه وضع الجميع أمام سقف عالٍ يفترض التزامه والاستعداد لإجراء الانتخابات النيابية بأي ثمن وبأي قانون. هذا التبليغ اليومي، والإصرار الذي يحرص بري على إظهاره، يدفع الجميع إلى التفكير ملياً بكيفية الاستعداد للأشهر المقبلة الفاصلة عن الموعد الذي سيحدد للانتخابات، سواء قصرت ولاية المجلس الحالي أو لم تقصر.

الجميع يتصرف على قاعدة حتمية إجراء الانتخابات وفق قانون 1960

وبقدر ما أصبحت الانتخابات حتمية، صار لزاماً على القوى السياسية التكيف معها. طرفان وحيدان لا يهمهما عناء البحث والتدقيق عن القانون أو عن اللوائح والمرشحين والتحالفات، هما حزب الله وحركة أمل. ما خلا الطرفين، يبحث الجميع من اليوم عن أجوبة لأسئلة كثيرة، تبدأ بالقانون ولا تنتهي بالتحالفات التي تشغل بال الجميع، وخصوصاً في ضوء تبدل العلاقات داخل قوى 14 آذار والقوات والتيار الوطني الحر والقوات والمستقبل والمستقلين والأمانة العامة لقوى 14 آذار.
من هنا يبدو حوار الحريري وجعجع حول الاستحقاق النيابي مفصلياً، لأنه يؤشر لاتجاهات من المبكر الفصل فيها، قبل أن يبتّ مصير قانون الانتخاب. ورغم حرص الطرفين على التبشير بالقانون المختلط بين النسبي والأكثري، فإن العارفين بأحوالهما يجزمون بأنهما سائران نحو قانون 1960 وفق المعطيات المتوافرة، ومنها عدم ظهور أي مؤشرات عن تجاوب التيار الوطني الحر مع القوات حول هذه النقطة. لا بل إن التيار مستاء من الإيحاءات المتكررة بأنه سيوافق على المختلط، فيما هو يرفضه كلياً، وإذا تعذر الاتفاق على قانون يرضيه، كالأرثوذكسي والنسبية، فإنه لا يمانع بالسير بقانون 1960.
النقطة الثانية هي التحالفات، ويبدو تيار المستقبل والقوات ومسيحيو 14 آذار في نقاش دائم حولها، ولا سيما في ضوء تفاهم القوات والتيار وإعلان النوايا بينهما، وخوضهما غمار الانتخابات البلدية في بعض المعارك الأساسية سوياً. في المبدأ يفترض أن يكرس التفاهم عملية التحالف الانتخابي معاً. لكن في الأسابيع الأخيرة، بدأت ترشح معلومات متفرقة عن تباينات حول هذه النقطة. وتعزز هذا الجو بعد لقاء الحريري وجعجع، الأمر الذي يطرح علامة استفهام حول إمكان توفيق القوات بين خوضها الانتخابات النيابية متحالفة في مناطق مع التيار الوطني ومتحالفة في أخرى مع قوى 14 آذار والمستقبل. علماً أن المعارك البلدية في القبيات والبترون وزحلة، وغيرها من البلدات، تركت ندوباً كثيرة في الشارع الانتخابي لقوى 14 آذار، وفي العلاقات الشخصية أيضاً بين الذين خاضوا المواجهات الانتخابية. وكذلك تطرح أسئلة عن القاعدة التي يمكن "المستقبل" أن يبني عليها مشاركته في الانتخابات باختيار التحالفات والمرشحين. وهل يمكن الانطلاق مجدداً نحو مشروع متكامل لقوى 14 آذار بعد كل ما جرى في الأشهر الماضية، انطلاقاً من الترشيحات الرئاسية التي يتبناها المستقبل والقوات.
وتشكل التحالفات جزءاً أساسياً من الاستعداد لانتخابات لا يزال قانونها مجهولاً. لكن الجميع يتصرف على قاعدة أن النقاشات التي تحصل في المجلس النيابي شيء، وقانون 1960 شيء آخر. لذا يدورون حوله مواربة، ويتصرفون على أساس أنه حتمي، بقدر بدء التفكير بغطاء يجمع مجدداً قوى 14 آذار في لوائح مشتركة أو متحالف بعضها مع بعض. لكن مشكلة هذا الفريق، وقبل الدخول جدياً في مرحلة الاستعداد للانتخابات، تظهر في مكان يتصل بموقع القيادات الرئيسية في قوى 14 آذار وتصرفها حيال الوضع القائم داخلياً وإقليمياً. ماذا يفعل الرئيس سعد الحريري في بيروت، ولماذا لا يقوم بأي حركة سياسية جدية، وكيف يمكن، مثلاً، أن يعود إلى بيروت منذ نحو ستة أشهر ولا يلتقي شخصيات أساسية في قوى 14 آذار إلا لدقائق معدودة منذ عودته؟ وكيف يمكن الحريري ألّا يجالس إلا المقربين منه ودائرته الخاصة التي لا تضعه إلا في ما ترغب به من معلومات واتصالات و" تحليلات"، في وقت يفترض فيه أن تبدأ هذه القوى، والمستقبل جزء منها، الاستعداد لخوض الانتخابات النيابية، من دون أي تشاور أو نقاش عملي وفاعل.
أما الهم الثالث، فهو التمويل الانتخابي. في ظل الأزمات المالية المتفاقمة، وخصوصاً في تيار المستقبل وإعلامه، هل يمكن الاستعداد للانتخابات النيابية، من دون أن يكون المال السياسي كما اعتدنا في لبنان، واعتاده المستقبل تحديداً، جزءاً من المشهد السياسي. وفي ظل عجز تيار الحريري عن حل الأزمة المالية الإعلامية وغير الإعلامية، وتقاعس رئيس الوزراء السابق عن معالجتها جذرياً، هل يصح الحديث عن تكرار تجربة التحالفات البلدية "الهجينة" التي كان بعض أهدافها عصر النفقات في المستقبل وعدم تكبد أعباء مالية تضاف إلى الأزمة الحالية، فتتحول الانتخابات في مكان ما ساحة لتصفية حسابات داخلية، من دون الارتكاز على مشروع واحد ورؤية واحدة لا تزال قلة معدودة من 14 آذار تؤمن بها؟