عندما أقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رئيس وزرائه أحمد داوود أوغلو، قال الجميع إن السبب هو تصرفات الأخير، وخاصة في ما يتعلق بسياسته الخارجية واتصالاته المباشرة مع القيادات الأوروبية حول ملف اللاجئين السوريين دون استشارة أردوغان.

وعندما عُيِّن بن علي يلدريم، خلفاً لداوود أوغلو، قال الجميع إن يلدريم لن يتصل مع أحد ـ لأنه لا يتكلم أي لغة أجنبية ـ كذلك لن يدلي بأي تصريح، خاصة في ما يخص السياسة الخارجية، إلا بعد استشارة أردوغان. يلدريم فاجأ الجميع عندما بدأ يتحدث في يومه الأول عن ضرورة المصالحة مع الجيران، وزيادة عدد الأصدقاء، ليعود ويعرب أمس عن ثقته في «عودة العلاقات الطبيعية مع سوريا»، واصفاً الأمر بأنه «مُلحّ وضروري»، الأمر الذي أثار ردود فعل واسعة في الداخل والخارج، وسط المعلومات التي تحدث عنها زعيم «حزب الوطن»، دوغو بارينجاك، الذي كشف أن «مباحثات سرية مستمرة في طهران في هذا الإطار، بين شخصيات سورية وتركية على مستوى رفيع».
تأتي هذه المعطيات في ظل استمرار هجوم أردوغان التقليدي على «النظام السوري المجرم ورئيسه القاتل لشعبه»، وهو ما يطرح العديد من التساؤلات عن غرابة التناقض المقصود بين أردوغان ورئيس وزرائه، الذي يعرف الجميع أنه لسان حال أردوغان بلا شك. الكثيرون رأوا هذا التناقض على أنه جزء من مساعي تهيئة الرأي العام التركي، قبل أي مصالحة محتملة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ولاحقاً مع الرئيس السوري بشار الأسد، ولا سيما أن أردوغان اعتبرهما، خلال السنوات الخمس الماضية، العدو الأكبر له ولتركيا وللأمة الإسلامية، وبالطبع للديموقراطية!

مساعٍ لتهيئة الرأي العام التركي قبل أي مصالحة مع الخصوم

يضاف إلى ما سبق تصريحات أردوغان المفاجئة في موضوع تجنيس السوريين وتوطينهم في تركيا، والتي تأتي بعد أشهر قليلة من تهديده الاتحاد الأوروبي بالسماح للاجئين بالعبور دون قيود إذا ما تلكأت أوروبا في تنفيذ الاتفاق ودفع المليارات الستة المتفق عليها. وحاول الإعلام الموالي لأردوغان تسويق تصريحاته من منطلقات عقائدية، كالإخاء والتضامن الإسلامي، أو كردّ الجميل للسوريين الذين حاربوا إلى جانب الأتراك العثمانيين في حرب الدردنيل عام ١٩١٥. وكالعادة، نجح الرئيس في إلهاء الرأي العام التركي بهذا الموضوع، لينسى الجميع قضية المصالحة مع إسرائيل، التي كانت طوال السنوات الثماني الأخيرة بمثابة «العدو الأكبر للإسلام والمسلمين»، في الوقت الذي تتحدث فيه استطلاعات الرأي عن رفض نحو 87%‏ من المواطنين الأتراك لتجنيس السوريين. وفي السياق، طالب أحد الإعلاميين الموالين لأردوغان، بتوطين السوريين في المناطق الكردية، جنوب شرق البلاد، كذلك طالب آخر بتوطينهم في المناطق العلوية مثل اسكندرون وماراش أو في المناطق التي خسر فيها «حزب العدالة والتنمية» الانتخابات البلدية بفارق بسيط. ورأت صحيفة «العقد» الموالية للرئاسة، أن «تجنيس السوريين مخطط ذكي، لأن أنقرة ستكون بحاجة لهؤلاء عندما تقوم بضم حلب وشمالها إلى تركيا، في حال تقسيم سوريا». أما صحيفة «خبر تورك»، فقد نقلت عن مصادر حكومية تفاصيل المخطط الذي تدرسه وزارة الداخلية في ما يتعلق بمنح الجنسية للسوريين، وقالت إن «الأولوية ستكون لقيادات وعناصر المعارضة السورية المسلحة التي تدعمها أنقرة»، وأضافت أن «الهدف من منح الجنسية لهؤلاء حمايتهم من أية تطورات محتملة، بالإضافة إلى الاستفادة منهم مستقبلاً لأغراض استخبارية».
ومع هذا الزخم الإعلامي، لم يخطر ببال أحد أن يتحدث عن السبب الرئيسي لمشكلة اللاجئين، التي بدأت بتشجيع أنقرة للسوريين على الهرب إلى تركيا، بعد أيام من تشكيل «الجيش الحر» في مدينة أنطاكيا أواسط أيار 2011، حيث تحولت حكومة «العدالة والتنمية» إلى لاعب أساسي في الأزمة السورية، عبر دعم كل الجماعات الإرهابية وفتح حدودها على مصراعيها أمام عشرات الآلاف من الإرهابيين الأجانب لدخول سوريا، والانضمام إلى جماعات في مقدمتها «جبهة النصرة» و«داعش». وسعى الثنائي أردوغان وداوود أوغلو، منذ البداية، إلى استخدام اللاجئين كورقة مساومة مع العواصم الغربية، لإقناعها بمشروع الحزام الأمني داخل الأراضي السورية «لمنع حركة النزوح الجماعي». وبعد الفشل في إقناع الحلفاء بمنطقة الحظر الجوي شمال سوريا، عادوا للضغط العام الماضي، لإقامة تلك المنطقة بين جرابلس وأعزاز، عبر فتح الباب أمام اللاجئين المهاجرين إلى أوروبا ـ عبر بحر أيجة ـ والتفاوض لكسب نقاط قوة في ملف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وطلب مساعدات مالية، وهو ما يفسر إغلاق ملف الاتحاد الأوروبي وموضوع اللاجئين، عقب إقالة داوود أوغلو.