في نهاية عام 2012، كان مصرف لبنان يحمل سندات خزينة بالليرة اللبنانية صادرة عن وزارة المال (الدين العام المحرّر بالليرة اللبنانية) بقيمة 14594 مليار ليرة. يومها، كانت حصّته من مجمل السندات بالليرة توازي 22.5%، وكانت هذه الحصّة قد ارتفعت بنسبة 14.8% مقارنة مع نهاية 2011. واصل المصرف رفع حصّته من السندات لتبلغ في نهاية 2013 نحو 16761 مليار ليرة، أي ما يوازي 30% من محفظة سندات الخزينة بالليرة البالغة في حينه 46538 مليار ليرة، واستمرّ المنحى نفسه لتبلغ حصّته في نهاية كانون الثاني 2016 ما نسبته 38.7%، أي أنه بات يحمل سندات بقيمة 25367 مليار ليرة. ثم جاءت الهندسة المالية «المبتكرة» لتزيد من حصّة مصرف لبنان في سندات الخزينة بالليرة بقيمة 4500 مليار ليرة، أي أنه بات يحمل أكثر من 45% من المحفظة.

في الواقع، تعرّض المصرف المركزي لانتقادات عدة بشأن تمويل الدين العام، سواء من خلال سندات الخزينة بالليرة أو بطرق أخرى. أبرز الانتقادات جاء من صندوق النقد الدولي الذي حذّره من التحوّل إلى المموّل الرئيسي للخزينة ومن استخدام الأدوات النقدية لتمويل إصدارات سندات الخزينة.

أرباح المصارف مصدرها الخزينة التي يغذّيها المكلّفون بتأدية الضريبة

إلا أن المصرف لم يكترث لكل التحذيرات، متذرعاً بالحاجة الى تمويل الدولة. ولكن هذه العملية انطوت دائماً على رفع سعر الفائدة "الحقيقي"، ما ساهم في زيادة أرباح المصارف. فمصرف لبنان يكتتب بسندات خزينة تصدرها الدولة اللبنانية، ثم يقوم بإصدار شهادات إيداع بالليرة وبالدولار بفوائد أعلى من فوائد سندات الخزينة بنقطتين أو أكثر، ويبيعها للمصارف. هكذا كانت المصارف تحقق إيرادات أكبر من تلك التي تحققها على سندات الخزينة، فيما كان المصرف المركزي يسجل الخسائر في ميزانيته، وبالتالي لا تظهر الكلفة الفعلية للدين العام في الموازنة العامة.
هذه "الهندسة"، كما يسميها حاكم المصرف، لم تعد تكفي لشراء المزيد من الوقت. فقد طرأت تطورات محلياً وخارجياً ساهمت في زعزعة "استقرار" النموذج النقدي، إذ تعرّضت موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية لضغوط شديدة، في حين تراجعت التدفقات النقدية الخارجية وسجّل ميزان المدفوعات عجوزات متتالية على مدى السنوات الأخيرة. هذا الواقع، دفع الحاكم، بحسب ما أعلن في كلمته أمس في مؤتمر الاقتصاد الاغترابي الذي نظمته مجموعة "الاقتصاد والأعمال"، الى «ابتكار هندسة مالية عزّزت موجودات مصرف لبنان بالدولار الأميركي بأكثر من ثلاثة مليارات دولار، بهدف تعزيز ملاءة لبنان بالعملات الأجنبية وتعزيز الثقة بالليرة". بحسب سلامة "نتجت من هذه الهندسة مداخيل تساوي مليار دولار للمصرف المركزي ومليار دولار للقطاع المصرفي». وأشار إلى أن مصرف لبنان حسم سندات خزينة بالليرة كانت تحملها المصارف بفائدة صفر في المئة وتقاسم معها إيرادات هذه السندات، إلا أنه قال إن «المصرف المركزي لن يتكبد أي كلفة بل سيجني أرباحاً... وأيضاً لا كلفة إضافية على الدولة». هذا يعني أن المصرف المركزي اشترى السندات من المصارف بنفس سعر الإصدار وتقاسم معها الفوائد السنوية التي كانت تحققها هذه السندات، وأن هذه العملية لم تكبّد أحداً أي كلفة إضافية.
بعض الخبراء يؤكدون أن المسألة ليست بسيطة كما يقدّمها سلامة. فالسندات التي حسمها المركزي للمصارف كانت ذات آجال متوسطة وبعيدة المدى تتجاوز 15 سنة، وبالتالي فإن الأرباح المتأتية منها كانت ستسجّلها المصارف تباعاً كل سنة، وكانت ستضطر إلى تحمّل مخاطر هذه السندات... ما حصل أخيراً أن مصرف لبنان قام بحمل هذه المخاطر عن المصارف وقرر منحها أرباحاً فورية (الآن) بقيمة مليار دولار بدلاً من أن تكون هذه الأرباح "مستقبلية"، بحسب سنوات الاستحقاق.
اللافت، بحسب الخبراء في مجال النقد، أن هذه الهندسة تتوسّع في تفسير قانون النقد والتسليف. وكان مدير الشؤون القانونية السابق توفيق شمبور قد قال لـ«الأخبار» (http://al-akhbar.com/node/203538) إن قانون النقد والتسليف يتيح لمصرف لبنان شراء سندات الخزينة التي تصدرها الدولة، لكن إجازته محصورة بشراء السندات من السوق الثانوية، وليس بواسطة الاكتتاب. وأن المادة 88 من قانون النقد والتسليف تمنح المصرف إجازة لمنح الدولة، بطلب من وزير المال، «تسهيلات صندوق لا يمكن أن تتعدى قيمتها 10% من متوسط واردات موازنة الدولة العادية في السنوات الثلاث الأخيرة المقطوعة حساباتها، ولا يمكن أن تتجاوز مدّة التسهيلات أربعة أشهر». وتضيف المادة 91 إنه «في ظروف استثنائية الخطورة أو في حالات الضرورة القصوى، إذا ما ارتأت الحكومة الاستقراض من المصرف المركزي، تحيط حاكم المصرف المركزي علماً بذلك، ويدرس المصرف مع الحكومة إمكان استبدال مساعدته بوسائل أخرى، كإصدار قرض داخلي أو عقد قرض خارجي أو إجراء توفيرات في بعض بنود النفقات الأخرى أو إيجاد موارد ضرائب جديدة... وفقط في الحالة التي يثبت فيها أنه لا يوجد أي حلّ آخر، وإذا ما أصرّت الحكومة، مع ذلك، على طلبها، يمكن المركزي أن يمنح القرض المطلوب. حينئذ يقترح مصرف لبنان على الحكومة، إن لزم الأمر، التدابير التي من شأنها الحدّ مما قد يكون لقرضه من عواقب اقتصادية سيئة، وخاصة الحدّ من تأثيره في الوضع الذي أُعطي فيه على قوّة النقد الشرائية الداخلية والخارجية». وتقول المادة 95 من قانون النقد والتسليف إن عقد القرض بين الدولة ومصرف لبنان «يحال على مجلس النواب مع كامل ملف دراسات وتقارير الإدارة ومصرف لبنان».
المشكلة في "الهندسات" التي يقوم بها مصرف لبنان أنها أوسع مما ينصّ عليه قانون النقد والتسليف لجهة المبالغ والفترات الزمنية وعرض الأمر على مجلس النواب وسوى ذلك من إجراءات. لكن للمصرف أهدافاً أخرى تكمن في تغذية النموذج اللبناني القائم على استقطاب العملات الأجنبية من الخارج لتمويل الدين العام والعجز في الميزانية والعجز التجاري، إذ يتطلب هذا الأمر أن يحمل المصرف في محفظته مبالغ كبيرة بالعملات الأجنبية لتخلق ما يسمى «ثقة» تغذّي هذا المسار، وفي المقابل يتطلب الأمر منح «هدايا» للمؤسسات التي تستجلب العملات الأجنبية، وهي المصارف.
السؤال الذي يربك الخبراء: متى يستنفد مصرف لبنان هذا النموذج؟ أليست هذه الهندسات هي عوارض أزمة النموذج الكامنة في وجود عجز كبير في الميزان الجاري؟ ألا يحلّ هذا النموذج النقدي محلّ السياسات الاقتصادية ويجعل الجميع في خدمته وبكلفة مرتفعة؟
سواء قرر مصرف لبنان أن يمنع المصارف أو يسمح لها بتوزيع الأرباح المحققة من هذه الهندسة الأخيرة «المبتكرة» أو ضخّها في رأس مالها، فإن هذه الأرباح مصدرها الخزينة اللبنانية التي يغذّيها المكلّفون بتأدية الضريبة. صحيح أن لها فوائد؛ بينها تغذية احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، لكنها أدّت أيضاً إلى رفع الفوائد على الودائع بالدولار، لأن مصرف لبنان اشترط أن تأتي المصارف بأموال من الخارج لتوظيفها في شهادات الإيداع التي أصدرها مقابل حسم سندات خزينة بالليرة، وبالتالي فإن المصارف سحبت من ودائعها لدى مصارف المراسلة مبالغ كبيرة لتوظّفها لدى المصرف المركزي. الأرباح التي حققتها المصارف ومصرف لبنان هائلة في فترة قياسية لا تزيد على شهرين.




الاغتراب سلامة الليرة
في مؤتمر الاقتصاد الاغترابي، الذي انطلق أمس، قال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إن الليرة اللبنانية حافظت على قدرتها الشرائية في ظل كلّ هذه المتغيرات، مشيراً إلى أن قيمتها تحسّنت تجاه العملات الأوروبية والعملات العربية غير النفطية وعملات حوض المتوسط. ولفت إلى أنه في ضوء الأحداث المربكة في لبنان والمنطقة، ومن أجل تعزيز الثقة باستقرار الليرة، يعمل مصرف لبنان على المحافظة على موجودات مرتفعة بالعملات الأجنبية.
وأوضح أن الاغتراب اللبناني يعدّ مصدراً أساسياً لتمويل لبنان من خلال التحويلات الواردة من اللبنانيين الذين يعملون في الخارج، والتي تشكّل بين 12% و20% من الناتج المحلي.