5 سنوات فقط هو الحكم الذي "يستحقه" المجرم محمد النحيلي بنظر محكمة جنايات بيروت. المجرم أُدين بتعذيب زوجته منال عاصي وقتلها والتنكيل بها. ذخر نص الحكم، الصادر أول من أمس، بوقائع مثبتة وشهادات تؤكد الوحشية التي ارتكب بها جريمته، إلا أنّ القاضية هيلانة إسكندر، رئيسة المحكمة، قررت التغاضي عن كل ذلك، ومنحت المجرم "العذر المخفَّف"، وخفضت عقوبته من الإعدام إلى الحبس لمدة 5 سنوات (ضمنها فترة توقيفه منذ سنتين)، وذلك استناداً إلى المادة 252 من قانون العقوبات، التي تنص على أنه "يستفيد من العذر المخفّف فاعل الجريمة الذي أقدم عليها بثورة غضب شديد ناتج من عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه".

رأت القاضية إسكندر أنّ الضحية ارتكبت "عملاً غير محق" و"على جانب من الخطورة"، هو "الخيانة الزوجية". لم يأبه الحكم الذكوري أنّ المجرم متزوج بامرأتين معاً وأنه يعنّف زوجته قبل أن يعرف بعلاقتها برجل غيره. حسم الحكم أنه "يحق له" أن يغار ويغضب من الخيانة، ولا "يحق" لمنال أن تغضب وتغار أيضاً. هي السلطة الذكورية تطلق أحكامها في القضاء على يد امرأة قاضية كانت مشاركة في لجنة صياغة مشروع قانون العنف الأسري!
على مساحة 45 صفحة يروي الحكم حجم العنف الهائل الذي تعرّضت له منال على يد زوجها. تقرير الطبيب الشرعي ذكر أنها عانت إثر الضرب المبرّح من كدمات في الجبين والعينين والخدين وجرح بعرض 7 سنتم في الفم، وجروح في الكتفين والرقبة والثديين والخاصرتين والمؤخرة وأصابع اليدين. لم يكتفِ "الذَّكَر" بالضرب، بل سحلها من شعرها ورماها بطنجرة الضغط. وفي التفصيل الأخير، تجاهل الحكم التناقض الواضح في إفادات القاتل التي قدّمها للمحكمة، إذ قال في رواياته إنّ الطنجرة كانت موجودة على الطاولة ووقعت على منال عندما ضربها "بوكس" واصطدمت بيدها، ليقول في إفادة لاحقة إنّ منال كانت تحمل الطنجرة وتعثرت! أقدم "الوحش" حتّى على امتصاص الدم من فم منال وبصقه في وجه والدتها، التي شاهدت موت ابنتها. كل هذا، برأي المحكمة، "ثورة غضب"... "ثورة غضب" مديدة! لم ترَ القاضية سلوكاً وحشياً في هذا المشهد، رأت أنه "رجل" غاضب فقط. أي إنسان غاضب ذلك الذي يمتص الدم من فم زوجته ويبصقه في وجه والدتها؟!

رأت القاضية إسكندر أنّ الضحية ارتكبت «عملاً غير محق»

في 5 صفحات (من الصفحة 41 حتى 45) يعرض الحكم الحيثيات التي تبرر تطبيق المادة 252 من قانون العقوبات. في هذه الحيثيات تتبنى المحكمة بوضوح أنّها تحكم في "جريمة شرف" لا جريمة قتل وحشية! فقد ورد حرفياً أنه "حيث إنّ مباغتة الزوج لزوجته تحادث عشيقها على الهاتف وترسل له كلمات غزل وقبلات واعترافها له بالخيانة منذ خمس سنوات، أي قبل زواجه هو للمرة الثانية قبل الحادثة بسنتين، جعله في ثورة غضب شديد ناتج من عملها غير المحق تجاهه، وعلى جانب من الخطورة، نتيجة التعرض لشرفه وكرامته وسمعة ابنتيه وتشردهما في حال طلاقه منها، في الوقت الذي لم يكن يشك بها". هكذا شرعت القاضية في محاكمة القتيلة بدلاً من القاتل، وجزمت بأنّ ما أقدمت عليه الضحية، التي ما عادت موجودة للدفاع عن نفسها، هو فعل "غير محق"، لا بل صنّفته أيضاً على أنه فعل "خطير". لماذا؟ لأنه، ببساطة، يمسّ بشرف الرجل، ما يعني أنها تبنّت حرفياً أنها جريمة شرف، وبالتالي تجاوزت موضوع المادة 252 وأدخلت عليها مفهوم المادة 562 التي تتحدث عن جرائم الشرف، والتي أُلغيت عام 2011، فبررت للمجرم جريمته، وهي بذلك أعادت إحياء مفهوم "جرائم الشرف" التي تطلب حذفه من قانون العقوبات نضالات قاسية على مدى عقود.
تقول المحامية منار زعيتر إن "القاضية في هذا الحكم أعطت لنفسها صلاحية الحكم على امرأة قُتلت بأنها قامت بعمل غير محق من دون أن يكون لديها روايتها!". هنا، اعتبرت القاضية أنّ خيانة الزوجة لزوجها فعل غير محق، لكنها في دراستها لظروف الجريمة لم تقل لنا إذا ما كانت خيانة الزوج لزوجته والزواج بأخرى فعل محق أو غير محق. كذلك تلفت زعيتر إلى أنّ "القاضية تبرّر في حكمها سلطة الرجل بأن يقتل ويستوفي حقه بذاته".
يتجاهل الحكم أمراً لافتاً ورد وتكرر كثيراً في روايات الشهود؛ فقد قالت والدة منال في روايتها إنّه "يقوم أحياناً بضربهم وإيذائهم، وقد يصل الأمر إلى قتلهم". وقال شقيق منال إنه "من أصحاب السوابق". كذلك روى أحد الجيران أنّهم سمعوا الصراخ "ولم يفلح أحد في الصعود إلى منزل المتهم لأنهم يخافون منه". وذكرت ابنة منال أنّ والدها كان "يضرب والدتها على وجهها ويركلها بقدمه، وقد حصل الضرب مرات عديدة أمامهما". لا داعي للتذكير مجدداً بمصّ الدماء من فم منال. إذاً، من الواضح أنّ المجرم معروف بأنه شخص عنيف ويعنّف زوجته. لكن القاضية تبنّت رواية أخرى! إذ ثبت للمحكمة من خلال المعطيات أن المجرم "هو من جهة شخص انفعالي يثور بسرعة ولا يتمالك أعصابه، ومن جهة أخرى هو شخص متدين يفتح بيته لتمكين زوجته من إقامة حلقات الذكر وإعطاء الدروس الدينية (...) وقد هاله اكتشاف الحقيقة الجارحة". لم تُقم المحكمة أي اعتبار للسلوك العنفي الذي يتميّز به المجرم والذي يجعله مصدر خطر على المجتمع. كل ذلك غير مهم أمام "الحقيقة الجارحة"!
يتحدث القرار عن "ثورة غضب" ويوصّف ردّ فعل المجرم كما لو أنه ردّ فعل غير واعٍ. إلا أنّ "ثورة الغضب" لها مدى معين ولا يمكن أن تمتد لوقت طويل وتبقى مجرد "ثورة غضب". فرواية المجرم نفسه تقول إنه علم بخيانة زوجته عبر اتصال هاتفي في الصباح، فانتظر انتهاء عمله ليعود إلى المنزل ويواجه زوجته ويقدم على ضربها بوحشية مرات ومرات، ومن ثم اتصل بوالدتها، وغادر المنزل قليلاً ليعود بعد وصول والدة منال وشقيقتها وشقيقها ويقدم على ضربها وضربهم أيضاً مرات ومرات ويسحل الضحية بشدّها من شعرها إلى الأريكة، ومن ثم يغادر بعد إقفال الباب قائلاً للوالدة: "موتي إنتي وبنتك" في تعمّد واضح للشر، ولم يعد إلا بعد ساعتين ليأخذها إلى المستشفى. برغم كل هذا اعتبرت المحكمة أنها "ثورة غضب".
تقول زعيتر إنّ منطق الحكم الصادر "يعيد المادة 562 إلى التداول"، لافتةً إلى أنه "حتى في المادة الملغاة كان المطلوب أن يكون الزنى مشهوداً لتخفف العقوبة، أمّا في هذه الحالة فلم يكن الزنى مشهوداً إذا أردنا التسليم جدلاً بهذه المادة، ما يعني أنها أسهل على التطبيق من جريمة الشرف ضمن المفاعيل نفسها".
في الورقة ما قبل الأخيرة من الحكم تقول القاضية إنها خففت العقوبة أيضاً لتمكين المجرم "من إعالة وتربية ابنتيه اللتين تشردتا بعد الحادثة (...) ما يحوّل حياة الابنتين لعذاب مستمر بغياب أي مرشد أو معيل لهما"، كذلك فإنهما "استعطفتا المحكمة لرحمة والدهما لأنهما بأمسّ الحاجة إليه". هكذا سلمت القاضية الطفلتين لوالد متوحش وعنيف، وكأنه أب مثالي! يخيّل إلينا أنه لو ضمنت منال أن القضاء "الحنون" سيعطيها حضانة أطفالها لطلبت الطلاق من زوجها عوض أن تتحمل سنوات من التعنيف، لكنها كانت تعلم ذكورية القضاء الذي لم ينصفها في مقتلها فكيف سينصفها في حضانة أولادها؟ إلا أن السؤال يبقى: كيف لمن "غضب" وقتل زوجته ألا "يغضب" مجدداً ويقتل مرة أخرى؟





كم كنتِ وحيدة يا منال

قضيّتكِ التي كانت أملاً لنا، غدت كابوساً لم نكن نتوقّعه. قضيّتكِ التي خلناها من القضايا القليلة المتبقيّة التي ستنتصر لكِ وللعدالة، انتصرت للقاتل والذكوريّة المعشعشة في كل زاوية من بلادنا. خمس سنوات، مع احتساب مدّة التوقيف، هو الحكم الملفوف على شكل هديّة قدّمتها محكمة الجنايات في بيروت لمحمّد النحيلي، قاتلكِ يا منال العاصي.
ظنّ بعضنا أنّ جريمة الشرف في لبنان خرجت من الباب الواسع بعد إلغاء المادّة 562 من قانون العقوبات، فإذا بها تُكرّر إطلالاتها من نافذة الغضب المخفّف لحجم الجرم. عادت لتمنح أسباباً تخفيفية وفقاً للمادّة 252. هكذا، حُكِم على منال عاصي بالموت مرّتين. فالضحية هي خائنة في نظر زوجها وأهلها، لذا استحقَّت الضرب حتى الموت. أمّا القاتل، فهو الشهم الذي تمّ «التعرض لشرفه وكرامته وسمعة ابنتيه» بفعل عمل الخيانة هذا، وبما أنه شخص انفعالي يثور بسرعة ولا يتمالك أعصابه، استحقّ منحه أسباباً تخفيفية وفقاً للمادّة 252 وحُكم عليه بالسجن 5 سنوات. إنه المجتمع الذكوري بأبهى تجلياته. إنه التساهل مع الذكر الذي يقرّر أن يأخذ حقَه بيده، فيُصدر الحكم بالقتل، ويُنفّذ الحكم.
لا قيمة لغضبكِ من عنفه وغضبكِ من خيانته لكِ وزواجه عليكِ، أمام غضبه. فغضب الرجل يا منال يُحسب له حساب. غضب الرجل شرعي ومشرّع، أمّا غضب النساء فلا. وإن حُسب له بعض الحساب، اعتُبر فسقاً، أو تهوّراً، أو جنوناً.
بعد ثلاث سنوات تقريباً، سيخرج القاتل الذي ضربك وعذّبك وحرقك وأوجعك ودمّمك وسحلك وأغماك، وربط ذكراكِ بطنجرة البرستو، لأن ثمّة ما دفعه لاستعمالها واقتراف ما اقترفه... ولأن أولاده يحتاجون إليه، على أساس أنه أب مثاليّ. سيخرج القاتل الذي خانكِ قبل أن يتزوّج عليكِ، لأنكِ خنتِه! نتيجة أقلّ ما يقال فيها إنها مهزلة حقيقيّة تضرب بعرض الحائط جميع الاعتبارات المنطقية والأخلاقية، وجميع المبادئ الحقوقية التي لا تزال قوانيننا بعيدة كلّ البعد عنها.
أمّا قضاؤنا الذي تطلّعنا إليه بأمل في أن ينصف ضحايانا بناءً على معطيات واضحة وثابتة، فهذا ما ارتكبته يداه بالأمس: حكم مخفّف يقتضي السجن لخمس سنوات فقط لقاتل منال العاصي. وقبل هذا الحكم، ماذا فعل القضاء؟
تأخّر حوالى العامين لإصدار تهمة التسبّب بوفاة بحقّ زوج رولا يعقوب الذي لم يُلقَ القبض عليه حتّى الآن؛ أخلى سبيل قاتل رقيّة منذر الذي ينعم، كزوج رولا يعقوب، برفقة أولاده الذي حرمهم أمّهم؛ خفّض التهمة على قاتل لطيفة قصير الذي سيمضي سنوات قليلة في السجن وقد يخرج بعدها في نزهة مع زميله محمد النحيلي، ويتبادلان القصص حول زوجتين عذّباهما تعذيباً وقتلاهما... لشدّة الغضب. «ثار غضبه، فأقدم على قتلها».... إلى متى؟
كم هي رخيصة حيوات النساء في بلادنا. كم كنتِ وحيدة يا منال.
منظمة «كفى عنف واستغلال»




حكم غير قابل للتمييز

يؤكد عدد من القانونيين أن الحكم الصادر في قضية منال عاصي مجحف ويعيد «جريمة الشرف» الى الواجهة من خلال المادة 252 من قانون العقوبات. يقولون إن إسقاط عائلة منال حق الإدعاء الشخصي اعتراف من قبلهم بأن الحكم الصادر هو «جريمة شرف»، واعتراف ضمني بحق المجرم بالإقتصاص من زوجته. وعليه، بسبب إسقاط حق الإدعاء الشخصي في القضية انصياعاً للعقلية الذكورية المسيطرة، باتت إمكانية تمييز الحكم الصادر عن محكمة الجنايات في بيروت شبه مستحيلة، إذ يعود الأمر فقط الى النيابة العامة. في هذه الحالة لن تميّز النيابة العامة لأن الحكم لا يبرّئ المجرم وانما منحه «العذر المخفف»، وبالتالي تعتبر أنّه جرى تجريمه، مقفلةً الباب على ثغرة في القانون سيلجأ إليها المعنّفون تبريراً لجرائمهم.