مرّة بعد مرّة، ومنذ خروج فضيحة الإنترنت غير الشرعي إلى العلن، تبرز خيوط جديدة يظهر معها التسّيب في قطاع الانترنت برمته، ورغبة "جهات ما" بإبقاء هذا القطاع رهينة الشركات الخاصة التي تضخّم عددها حتى فاق المئة. تفرّعت عن فضيحة الانترنت ملفات عدة، أبرزها شبكة الألياف الضوئية. كشف الكثير من خفايا هذا الملف، إن من خلال المداولات التي حصلت داخل جلسات لجنة الإعلام والإتصالات أو على لسان نواب ووزراء ومسؤولين معنيين بمتابعته، لكن الأكيد أن ما لم يُكشف حتى الآن أكثر خطورة. ومن خلال التدقيق في بعض التقارير «السرية»، يتبّين مدى فداحة الإهمال، وأسباب التفلّت الحاصل، وتحديد بعض المسؤوليات ومن تقع على عاتقهم. لكن كل الطرق تؤدي إلى "طاحونة" المدير العام لهيئة أوجيرو عبد المنعم يوسف، الذي يبدو جلياً من مداولات لجنة الاعلام والاتصالات، ومن وثائق اطلعت عليها "الأخبار"، أنه لا يرغب في تشغيل الشبكة رغم كل ما فيها من فوائد للبنانيين. ولا بد من التذكير بأن مشروع شبكة الألياف الضوئية بدأ عام 2010، بناءً على اقتراح وزير الاتصالات الأسبق شربل نحاس في حكومة الرئيس سعد الحريري. وهذه الشبكة تمكّن المواطنين من الحصول على خدمة انترنت شرعي، من الدولة إلى المستهلك مباشرة، وبسرعة فائقة، وبسعات أكبر، وبصورة أكثر أمناً مما هو معمول به حالياً، إضافة إلى القدرة على خفض الأسعار.

جلسات لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، التي تعقد منذ الثامن من آذار 2016، أظهرت أن هيئة اوجيرو تماطل لمنع إنجاز الشبكة. واللافت ان الوثائق التي اطلعت عليها "الاخبار" تكشف ان هذه النية موجودة منذ 2013، وأن مديريات في وزارة الاتصالات وهيئة التفتيش المركزي وضعت خطة واضحة منذ 2014 لتصحيح الخلل في تنفيذ الشبكة، وعلى حساب الشركة المتعهدة والشركة المشرفة على أعمالها، المسؤولتين عن عدم الالتزام بدفاتر الشروط. لكن رغم ذلك، لم يتخذ احد في الدولة قراراً بتصحيح المسار، لإبقاء شبكة الألياف الضوئية خارج الخدمة، وبالتالي، السماح للشركات الخاصة بمضاعفة أرباحها، وفتح الباب أمام استجرار الانترنت غير الشرعي، فضلاً عن الحفاظ على "حنفية" الانترنت بيد عبدالمنعم يوسف الذي يفتحها بالقدر الذي يسمح بمرور بعض النقاط، فيما هو عائم على نهر.
مشكلة الألياف الضوئية أو «الفايبر أوبتيكس» ليست جديدة. والتقارير التي صدرت عنها منذ عام 2014، تحت عنوان «الشوائب والمخالفات في تنفيذ أعمال الشبكة وعملية إصلاحها واستلامها»، تظهر تضارباً «مشبوهاً» سعى من خلاله البعض إلى إبقاء هذه الشبكة مجرّد تمديدات تحت الزفت.

استخدمت "أوجيرو" الشبكة التي تقول إنها غير صالحة لتزويد وزارة الدفاع بالانترنت

عام 2013، كلف التفتيش المركزي عدداً من المفتشين الهندسيين «متابعة تنفيذ أعمال شبكة الألياف الضوئية في مختلف المحافظات اللبنانية»، بناء على ما تضمنه البرنامج السنوي في وزارة الإتصالات، بعدما تبين من خلال الكشف المحلي أن بعض الأشغال غير مطابقة للمواصفات المطلوبة. وبناء على تقرير مفصل صادر عن التفتيش المركزي شرح فيه بالوقائع أنه لم يطرأ أي تحسّن ملحوظ على الأعمال منذ عام 2011، مما يؤشر إلى عدم تقيد المتعهد والإستشاري بالمواصفات المبينة في دفتر الشروط الخاصة. وتقدم المفتّشون بعدد من الإقتراحات طالبت بـ «إبلاغ وزير الإتصالات نسخة عن التقرير الصادر عنهم، لوقف المخالفات الحاصلة لدفتر الشروط، واتخاذ التدابير بحق المعنيين، والزام المتعهد إصلاح الأضرار بطرق فنية سليمة، والطلب الى لجنة الإستلام تكثيف عمليات سبر الغور على الأشغال المنفذة للتأكد من مطابقتها لدفتر الشروط».
عام 2014 صدر كتاب عن المديرية العامة للإنشاء والتجهيز في وزارة الاتصالات، رفع إلى وزير الإتصالات بطرس حرب، أكد بناء على جولات ميدانية قام بها الفريق المكلف من قبل المدعي العام المالي علي ابراهيم، وجود ثلاث فئات من الأعمال: الأولى (أعمال جيدة يمكن استلامها)، الثانية (أعمال مقبولة تستدعي بعض التصليحات)، والثالثة (أعمال مرفوضة بالكامل ويجب إعادتها قبل استلامها). وبعد التأكيد على عدم تسلّم هذه الأعمال حسب الأصول، اقترح المدير العام للإنشاء والتجهيز المهندس ناجي اندراوس «تعيين لجنة لاستلام الأعمال بالتعاون مع هيئة أوجيرو للقيام بالسونداجات اللازمة للتأكيد من نوعيتها، يتبعها اصلاح الأعمال التي تشوبها مخالفات يُمكن اصلاحها واعادة العمل في المواقع المرفوضة كلياً تحديداً في ميروبا وتنورين». بعد 4 أشهر من تقرير المديرية، أصدر التفتيش المركزي بعد الإطلاع على المستندات والتحقيقات في ما يتعلق بتنفيذ مشروع الألياف الضوئية في بعض المناطق كتاباً، طالب فيه وزارة الإتصالات بتفسير عدد من الأمور منها «خفض أو حجب كميات من المحروقات عن سيارات الموظفين المولجين بمتابعة أعمال المتعهد، والتقرير الموحد بين كل من وزارة الإتصالات وهيئة أوجيرو والإستشاري (خطيب وعلمي)، والإستثمار الجزئي لشبكة الألياف وما إذا كانت تندرج وفقاً لخطة ممنهجة محددة في الزمان والمكان، تتضمن تفعيل الشبكة مع الحرص على عدم تكبيد الخزينة العامة أكلافا إضافية». الغريب أن التفتيش المركزي لم يلق رداً من وزارة الإتصالات، ما استدعى منه توجيه كتاب آخر بعد حوالي شهر كرر فيه مطالبه، خصوصاً في ما يتعلق بالكشف عن بعض العينات التي قامت بها هيئة أوجيرو لزوم إنجاز التقرير النهائي للتحقيق. وبعد تجاوب الوزارة والإجابة عن تساؤلات التفتيش المركزي، ظهرت فضيحة أخرى بيّنت تناقضاً لا يمكن تفسيره بين التقرير الصادر عن المديرية العامة للإنشاء والتجهيز، وذاك المعد من قبل أوجيرو. فالأول، أكد أنه بعد إجراء 66 سونداج تأكد أن نسبة الأعمال المقبولة تصل إلى 85 في المئة، في حين أن تقرير أوجيرو أكد بعد الكشف على عينات في كافة المناطق أن نسبة الأشغال غير المطابقة للمواصفات بلغت 81 في المئة! هذا التضارب الكبير بين النسبتين، يطرح تساؤلاً حول صحة هذه التقارير، وما إذا كانت إحدى الجهتين تسعى إلى تضليل وزير الاتصالات والتفتيش المركزي عبر إعطاء معلومات كاذبة.
ما تقدّم تكشفه تقارير صادرة عامي 2013 و2014. واللافت أن المعطيات نفسها جرى تكرارها في جلسات لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، من قبل ممثلي أوجيرو ووزارة الاتصالات. فحتى اليوم، يتكرر الكلام نفسه: الأشغال غير مطابقة للمواصفات، ولا يمكن استلامها من المتعهد. فيما يؤكد رأي آخر أن ما هو غير مطابق يجب إلزام المتعهد بإصلاحه على نفقته، وما هو مطابق يجب أن تتسلمه الدولة. ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن أوجيرو استخدمت جزءاً من الألياف الضوئية المنجزة لإيصال الانترنت إلى وزارة الدفاع وعدد من المؤسسات الرسمية، بعد انكشاف فضيحة الانترنت غير الشرعي. ويختمون: "لو ان الدولة تسلّمت شبكة الألياف الضوئية المنجزة، لما كان لبناني واحد بحاجة للجوء إلى الشركات الخاصة لإيصال الانترنت إلى منزله او مؤسسته، ولما استطاعت الشركات استجرار انترنت مخترق امنياً، بصورة غير مشروعة. والهدر هنا "هدران": هدر المال على الخرينة العامة لمصلحة أصحاب الشركات الخاصة؛ ودفن أكثر من 50 مليون دولار هي كلفة إنجاز شبكة الألياف الضوئية.