لن تنتهي روايات الأسرار والألغاز حول ما حصل بين أنقره واسطنبول ليل 15 ــــ 16 تموز 2016. ولن تتوقف القراءات حول نتائجه الفورية أو اللاحقة. غير أن نتيجة واحدة لتلك الأحداث تبدو حتمية، أن تكون مطابقة لاحتمالات ما نتج عن أحداث برلين، بعد ليل 27 شباط 1933...

من الأسئلة التي لن تحسم إجابتها قبل زمن طويل: هل ما حصل في تركيا كان فعلاً انقلاباً؟ أم هو حركة تمرد عسكري محدود؟ أم انتفاضة تقاطع متضررين؟ أو حتى انتحار طوعي لمجموعة أدركت مسبقاً أن قراراً حكومياً كان قد اتخذ بقطع رأسها، فحاولت استباقه أو إحباطه أو الرد عليه، ولو على طريقة عليّ وعلى أعدائي؟! ذلك أن المفارقات التي سجلت في تلك الساعات التركية الطويلة، كثيرة. أين القيادات العسكرية الأساسية؟ كيف تُركت مقار الحكومة والإعلام وسواها من مفاصل أي سيناريو انقلابي؟ كيف اختفى كل المعنيين، حتى ظهرت بوادر فشل المحاولة، فنزل الناس بعد ذلك لا قبله؟ وألف كيف مما سيترك للتاريخ ليكتب عنها أساطير وروايات.
هذا في الحيثيات الداخلية. أما في الأبعاد الخارجية لما حدث، فالأحاجي ليست بأقل. منها على سبيل المثال: لماذا ساد صمت أميركي بليغ، حتى جلاء الصورة التركية وانقشاع الغبار والرؤية، قبل أن تعود واشنطن لتذكر حكم إردوغان؟ أي مصادفة أن يأتي الانقلاب بعد وصول وزير للخارجية في لندن، من مآثره نظم معلقات هجائية في زعيم "التنمية والعدالة"؟! أي مصادفة ثانية أن يأتي هذا "الانقلاب" بعد أسابيع قليلة على انعطافة حكام أنقره صوب موسكو، وإعادة تطبيع العلاقات مع القيصر الروسي، كما بعد أيام قليلة على انعقاد قمة الأطلسي الأخيرة فوق ضريح حلف وارسو بالذات، معلنة عودة ميني حرب باردة بين الغرب والشرق، مع ما يحمل ذلك من ذكريات حول دور تركيا العسكرية في تلك الحرب وفي الصراع والتوازن بين المعسكرين في زمن النظام العالمي الثنائي القطبية؟! وأي مصادفة أخرى جعلت باريس تقدم على إقفال ممثلياتها الدبلوماسية في تركيا، قبل 72 ساعة فقط من الحركة "الانقلابية"، في خطوة من دون تبرير ولا تفسير، مماثلة لمصادفة توزيع بعض السفارات الغربية في بيروت، بياناً يحذر رعاياها من التجوال في وسط بيروت، قبل ساعات قليلة من انفجار فردان؟!
قد يكون كل ما سبق مجرد مصادفات جائزة في السياسة العادية، وحتى في الأحداث الاستثنائية. وقد يخفي أو يشي بنتاج معلومات استخبارية متقاطعة لدى عواصم فاعلة ومؤثرة، دفعت إلى خطوات احتياطية أو استباقية. وقد تظل نظرية المؤامرة ماثلة في الأذهان. خصوصاً أن التواريخ والتجارب تزكيها، منذ كانت هناك أنظمة عالمية تمارس السياسة الدولية كما لو أنها رقعة شطرنج كوكبية أو حروب افتراضية. لكن، مع كل تلك الفرضيات، وبعدها، يظل السؤال الأهم عن نتائج ما حصل ليل 15 ــــ 16 تموز التركي. إلى أين تتجه أنقره وحكامها بعد تلك التجربة؟ وأي تركيا ستقوم في الداخل والخارج، بعد عبور نظامها لهذا القطوع، وما يمكن لأهل هذا النظام أن يكونوا قد استخلصوه من دروس ومعطيات ووقائع تجمعت لديهم، مما يتخطى بالطبع مستوى التقدير أو التخمين؟
الواضح أن تركيا ما بعد ذلك الليل الطويل، ستمر في مرحلتين اثنتين. مرحلة استيعاب ما حدث ليلها، ومرحلة ما بعد الاستيعاب. في المرحلة الأولى، الأرجح أن تنكفئ أنقره عن لعب دور تركيا السلطنة أو تركيا النيو ــــ عثمانية. لتنشغل بترتيباتها الداخلية وتحصين نظامها وتمتين حكمها. فلا عمق استراتيجياً صوب الشرق، ولا ابتزاز نزوحياً لأوروبا في الغرب، ولا لعب على حبال التوازنات والحاجات الاستراتيجية الجديدة بين واشنطن وموسكو في مركز العالم الدائم أو منطقة أوراسيا. انطواء صوب الداخل، لحسم إشكالية من يحكم تركيا من إسلامييها؟ إسلام إردوغان، أو إسلام الشارع الذي حاول حجز حصة ورصيد له في "الانتصار"، أو إسلام "الانقلابيين" الذي لم يكن بعيداً عن الاثنين؟ تماماً كما حصل في برلين بعد حريق مبنى البرلمان الألماني، أو رايخشتاغ، في 27 شباط 1933؟ يومها، قيل إن خصوم "الاشتراكية الوطنية" كانوا يعدون لمحاولة انقلابية فاشلة. وقيل ان أهل الحكم هم من دبر الحريق المفتعل، ليتخذوا منه في اليوم التالي ذريعة لتطهير كل خصومهم. فاعتقلوا الآلاف، ونظموا المحاكمات المسرحية، وكنسوا كل معارضيهم، وتمكنوا من فرض سيطرتهم المطلقة وإقامة حكم الحزب الواحد، وصولاً إلى قيام الرايخ الثالث. بعد أكثر من ثمانين عاماً على ذلك الحدث، يؤكد التاريخ اليوم، أن هتلر الذي وصل إلى الحكم في ألمانيا بالانتخاب، وصل إلى مرتبة الفوهرر بعد حريق الرايخشتاغ بالذات. بعدها، ستة أعوام فقط من الصمت الأوروبي كانت كافية ليصير ذلك الحريق حريقاً لكل أوروبا وكل العالم.
قد تكون المماثلة مستبعدة. وقد يصح أن التاريخ لا يعيد نفسه إلا لدى الشعوب التي لا تفهمه من مرة واحدة. وقد يصح مرة أخرى أن تاريخاً كهذا يحدث في المرة الأولى بشكل مأساة، ليتكرر ثانية بشكل ملهاة. لكن يظل القلق قائماً، خصوصاً في منطقة وصفها ذات مرة أحد السياسيين الفرنسيين، بأنها قد تعيش قرناً كاملاً من دون حدث واحد. وقد تشهد في ليلة واحدة أحداث قرن كامل...