قد يكون من المبكر معرفة إلى أي مدى سيذهب الأوروبيون في مواقفهم التصعيدية حيال تركيا، لكن ذلك لا ينفي وجود مؤشرات تحوّل ظاهر من شأنه أن ينهي سنوات شاقة من مفاوضات دخول أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي.

ويرتبط راهناً تحوّل الموقف الأوروبي مباشرة بتصرفات أنقرة عقب فشل الانقلاب الأخير، إذ تتهمها العواصم الأوروبية بانتهاك أسس «دولة القانون» ومعاهدات سبق لها التوقيع عليها. ولعلّ «إعلان الحزب الحاكم في تركيا ــ كما حزب الشعب الجمهوري المعارض ــ نيته إعادة العمل بعقوبة الإعدام يشكل نقطة تحول كبيرة في العلاقة التركية ــ الأوروبية، تصل إلى درجة تهديد عضوية أنقرة في مجلس أوروبا (المرتبط بالاتحاد الأوروبي بصورة غير مباشرة)»، وفق ما تقول لـ«الأخبار» الباحثة التركية في مركز «ايدام»، دنيز يشيل.
ومن شأن العودة إلى تطبيق عقوبة الإعدام التي يصرّ عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن «تخلق جدلاً بين شركاء تركيا في الغرب، أي في أوروبا والولايات المتحدة، لأنها خطوة ستقرأ بمثابة عدم رغبة تركيا في التماشي مع المعايير والقيم الأوروبية»، وفق يشيل.
وعلى الرغم من إعطاء الأوروبيين لتلك «القيم» أهميةً قصوى، فإن احترام أنقرة لها لم يكن المحرك الوحيد للعلاقة بين الطرفين. فعام 1999، تمكنت تركيا بعد شوط طويل من تحصيل صفة «مرشح» لعضوية الاتحاد الأوروبي، من دون أن تكون قد طبّقت كافة المتطلبات الضرورية، لكنّ الأوروبيين أدركوا في حينه أهمية التقرّب من أنقرة «لأنها حجر أساس في أمن المنطقة واستقرارها... ولأنّ الموقف الأوروبي أتى في ذلك الحين نتيجة تحول في السياسة الأميركية نحو تركيا»، وفق الباحثة في «مركز السياسات الأوروبية»، أماندا بول. وعلى الرغم من الانتقادات التي كانت تصدر أحياناً من جهات أوروبية ضد «سلطوية» حكم أردوغان وعدم احترامه لحرية الصحافة والرأي، فإن ذلك لم يمنع استمرار التعاون في ملفات عديدة، أوّلها ملف الهجرة، ومكافحة الإرهاب، إضافة إلى التعاون في مجال الطاقة (التعاون في مشروع خط أنابيب الغاز العابرة للبحر الأدرياتيكي).

لا يمكن معرفة أفق تدهور العلاقة بين الطرفين

من هنا، فإن موقع «الحليف المفضّل» الذي تتمتع به أنقرة لدى كل من الأوروبيين والأميركيين، والذي لم يتأثر في العام الأخير بالتصرفات «غير الديموقراطية» لرجب طيب أردوغان، قد لا يكون عرضة لتحول دراماتيكي حقيقي، خصوصاً في ظل «ارتباط الاتحاد الأوروبي وأنقرة بعلاقات اقتصادية واجتماعية واستراتيجية وسياسية معقدة»، وفق ما تعتبر الباحثة الإيطالية في الشؤون الأوروبية ناتالي توتشي، التي توضح خلال حديثها إلى «الأخبار» أن «العلاقة بين الطرفين تتضمن أيضاً حواراً حول العلاقات الخارجية والعلاقات السياسية». إلا أنّ الباحثة الإيطالية تستدرك بالقول إنّ «الإطار الأهم للعلاقة الأوروبية التركية، أي عملية توسيع (الاتحاد الأوروبي وانضمام تركيا إليه)، من المرجّح أن يتوقف»، وهي رؤية أعرب عنها العديد من السياسيين الأوروبيين خلال الأيام الماضية، مذكّرين بأنّ «ملف انضمام أنقرة» شكّل الحجر الأساس الذي بنى عليه مؤيدو خروج بريطانيا في حملتهم الأخيرة.
ومع ذلك، فلا يمكن معرفة أفق تدهور العلاقة بين الطرفين، خصوصاً في ظل «الانزعاج» الأميركي الواضح من تركيا. وتذكر «إيكونومست» البريطانية، أول من أمس، أن «الأميركيين يرون أن تركيا غير ملتزمة تماماً بالحرب على داعش»، فيما «لا يخفي وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر، إطلاقاً، نفوره من الرئيس التركي». وتشير المجلة إلى «وجود أصوات في الكونغرس الأميركي تدعو إلى استبدال قاعدة إنجرليك الموجودة في تركيا بقاعدة أخرى في المنطقة»، ولذلك «فإن تركيا بحاجة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى صداقة الولايات المتحدة... وعلى أردوغان أن يتوقف عن تهديد هذا التحالف».