يقول المثل «يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويذهب العقل ويبقى أثره»، أما رئيس بلدية بيروت السابق بلال حمد حين يذهب فلا يبقى إلا «تجاوزاته غير القانونية». ربما ظن حمد والفريق الذي يقف خلفه أنه بانتهاء عهده سيُغلق الباب على الكثير من المخالفات التي ارتكبها طوال فترة ترؤسه بلدية بيروت، وأنه بتعيين رئيس البلدية الجديد جمال عيتاني «عفا الله عما مضى». لكن على ما يبدو ستبقى لعنة بيروت تلاحق الرجل وتفضح «سوء أمانته»، واستخدام صلاحياته لتمرير بعض ما يريده بطرق غير مشروعة، حتى لو اضطره ذلك إلى «التزوير في أوراق رسمية»، وهذا ما اكتشفه أعضاء المجلس البلدي الحالي خلال اطلاعهم على قرارات موضوعة في أمانة السرّ. ويظهر هذا التزوير جلياً في وثائق حصلت «الأخبار» على نسخ منها. فكيف بدأت القصة ومن هم أبطالها؟
اكتشف أعضاء في المجلس الحالي عملية التزوير خلال اطلاعهم على أوراق في أمانة السرّ

منذ أكثر من عشر سنوات، وخلال ترؤس عبد المنعم العريس لبلدية بيروت، تنازلت الأخيرة عن طريق عام ملاصق للجامعة اللبنانية ــــ الأميركية (LAU) في بيروت «لدواع أمنية». لم يكن لهذا التنازل أيّ ضرر، خصوصاً أن الطريق ملازم لمبنى الجامعة ولا يستعمله سوى موظفي الجامعة وطلابها، وقد استخدمته الجامعة لتعزيز الإجراءات الأمنية حولها. ظل هذا الاتفاق سارياً إلى حين انتهاء ولاية العريس، قبل أن يتسلّم حمد رئاسة البلدية، ويشترط على الجامعة، عند تجديد «العقد»، أن يكون للبلدية مقابل عن هذا التنازل. وبالفعل كان له ما أراد، إذ وافقت الجامعة على تقديم أربع منح دراسية كاملة لأربعة طلاب من أبناء بيروت سنوياً، ولمدة 16 عاماً، ويتم اختيار الطلاب بتوصية صادرة عن المجلس البلدي وفقاً للشروط المطلوبة، والتي حددتها في ما بعد لجنة الشباب والرياضة في البلدية، وأبرزها أن «يكون الطالب مقيماً في بيروت، ومتفوّقاً في دراسته، وأوضاعه المادية لا تسمح له بأن يلتحق بالجامعات الخاصة». بقيت هذه الشروط حبراً على ورق، وأعطيت المنح وفقاً للعرف اللبناني القائم على التوازن الطائفي، فقسّمت على طالبَين مسلمين وطالبَين مسيحيين. مع كل عام كان الاتفاق يتجدد من دون عوائق، قبل أن يتدخل عضو البلدية السابق منيب ناصر الدين (المحسوب على النائب وليد جنبلاط) مُصرّاً على أن تكون إحدى المنح من حصّة طالب درزي. حينها لم يعترض أحد من الأعضاء على طلبه، وطلبوا منه خلال الجلسة تقديم أوراق الطالب المعني شرط أن «يكون غير قادر على تغطية نفقات دراسته». وبعد فترة تقدّم ناصر الدين باسم الطالب ريان توفيق شيا، وخلال جلسة عقدت في 28 نيسان 2016 (تغيّب عنها ناصر الدين، بسبب إشكال بين جنبلاط والبلدية على خلفية مشروع كاميرات المراقبة في بيروت) تقرر بالإجماع التصديق (من خارج جدول أعمال الجلسة) على القرار البلدي رقم 46 القاضي بالموافقة على إعطاء منحة دراسية للطالب شيّا في الجامعة اللبنانية الأميركية للسنة الجامعية 2016 – 2017. حتى هنا، كانت الأمور تسير بشكل عادي ولا لبس فيها. أعضاء المجلس السابق كانوا يظنون ذلك، ولا يعرفون أن «المياه تسير من تحت أرجلهم». لكن عدداً من أعضاء المجلس الحالي وخلال اطلاعهم على أوراق متعلّقة بملف المنح، في أمانة سرّ المجلس، اكتشفوا عملية تزوير تمثلت في كتاب رفعه حمد إلى الجامعة طلب فيه إعطاء منحتين لعام 2016 – 2017 للطالبين ريان يوسف شيّا ويوسف ناصر الدين (نجل العضو البلدي السابق منيب ناصر الدين)، وأرفق الكتاب بورقة قال فيها إنها «مقتطف من محضر جلسة 28 نيسان 2016، جرى فيها تعديل القرار 46 وأضيف إليها اسم الطالب ناصر الدين، ووقّع عليها كل الأعضاء». لكن بالعودة إلى محضر الجلسة المذكورة يتبيّن أن لا تعديل حصل على القرار، وأن الأعضاء وقّعوا حصراً على منحة الطالب شيّا، ما يؤكّد أن حمد مرر اسم الطالب ناصر الدين بقرار شخصي، بالاتفاق مع منيب ناصر الدين ومن دون مشاورة الأعضاء، وحاول في كتابه إيهام الجامعة بأن اختيار ناصر الدين حصل بالإجماع. ومن غير المعروف حتى الآن ما إذا كان رئيس البلدية الحالي جمال عيتاني قد اطلع على الأوراق، أو ما إذا كان أحد الأعضاء قد أعلَمه بالتزوير. لكن بحسب معلومات «الأخبار»، طرح ملف المنح في جلسة عقدها المجلس أخيراً، إلا أن عيتاني طلب تأجيل البحث به إلى الجلسة المقبلة. فهل يصلح رئيس لائحة البيارتة ما أفسده سلفه في حال أثار الأعضاء هذا الملف ويوقف المنحة التي قرر حمد تجييرها لنجل منيب ناصر الدين أم أن الموضوع سيمر مرور الكرام وتتمّ لفلفته كما جرت العادة؟