قاضي المحكمة الروحية الذي فضحه الإعلامي جو معلوف لم يستطع الهروب من تهمة المراباة، فأقيل على عجل. قبله سقط قاضٍ روحي آخر ثبتت متاجرته في الأحكام القضائية بالصوت والصورة. ومنذ بضعة أيام ضجت الدوائر الكنسية بخبر قاضٍ رفيع آخر بلغت مشاكله مع زوجته حدّ الاعتداء عليها بالضرب، فما كان من شقيقيها سوى اقتحام مكتبه لردّ الصاع صاعين، فلجأ بسرعة إلى المفرزة القضائية في جونية للادعاء عليهما وسجنهما. تكرّ السبحة، منها ما يخرج إلى العلن، ومنها ما يبقى بين جدران تلك المحاكم التي يرتبط عملها في الأساس بمعاملات الطلاق، باعتبار الزواج سراً كنسيّاً مرتبطاً بتعاليم الكنيسة. إلا أن نفوذ المحاكم الروحية يتجاوز الحدود الدينية، وباتت تتدخل في حضانة الأطفال وحجم النفقة والأهلية الصحية للزوج أو الزوجة وغيرها الكثير مما يدخل طبعاً ضمن اختصاص المحاكم المدنية، لا المحاكم الروحية، باعتبارها أموراً مدنية لا علاقة لها بالروحانيات من قريب أو بعيد. وعلى الرغم من التوصيات الفاتيكانية بوجوب إزاحة الملفات غير الروحية لكل هذه القضايا عن كاهلها، واصلت المحاكم الروحية التمسك بملفات النفقة والحضانة وغيرها. وطوال سنوات كانت ثمة شكاوى غير موثقة من المماطلة في المحاكم من جهة، وتشكيك في صدقية بعض القضاة من جهة أخرى، وخصوصاً أن النصوص واضحة في ما خصّ الطلاق، لكن الاجتهادات كثيرة في ما يخصّ النفقة والحضانة وسائر التفاصيل. بعيداً عن الاتهامات التقليدية، برزت منذ مدة قضية لافتة يفترض أن تسمح للفاتيكان بالدخول بقوة على ملف المحاكم الروحية الكنسية.
المحكمة الروحية اللبنانية: مماطلة وتسويف وسوء استخدام للسلطة

منذ بضع سنوات، عمد أحد الأثرياء الجدد إلى توطيد علاقته بقضاة روحيين وبعض النافذين في الصرح البطريركيّ ممن كثفوا لقاءاتهم معه قبل تقدمه بطلب طلاقه من زوجته إلى المحكمة المارونية وبعده. الزوجة رفضت "إبطال الزواج" بعد ستة عشر عاماً على الزواج، متمسكة بمبدأ الهجر، باعتباره يحفظ حقوقها وحقوق ولديها. أما الزوج، الراغب بزواج جديد، فأشاع أخباراً عن سهولة "التخلص" من العائلة الأولى بحكم علاقته الشخصية الوطيدة بقضاة المحكمة الروحية ومن يمونون عليهم في الصرح البطريركي. بدا واضحاً أن القضية، التي تستغرق عادة بين عامين وثلاثة اعوام، ستقفل لمصلحة الزوج في خلال أسابيع قليلة. عادة تبلغ الزوجة بهوية القاضي لتوافق أو لا توافق على بتّه أمرَ زواجها، لكن القضاة باشروا عملهم في هذه القضية من دون موافقة الزوجة. طلب موكل الزوجة منع سفر الرجل، فتأخر بتّ الطلب حتى سافر الزوج وعاد ودفع الكفالة التي تخوله السفر، علماً أن منع السفر يتعلق عادة بملف النفقة، لكن المحكمة الروحية أصدرت قراراً غريباً عجيباً يمنع الزوجة من السفر، حتى لا تؤخر الإجراءات القضائية. رئيس المحكمة الروحية خرج من مكتبه وتدخل عند رئيس غرفة في محكمته ليطلب إليه قبول ملف ورفض آخر. أما طبيبة المحكمة النفسية، فخلصت إلى اعتبار الزوجة "مريضة نفسية لا علاج لها"، من دون أن تقابلها، قبل أن يصدر قرار أولي بفصل المسكن بين الزوج والزوجة، وقبل صدور قرار بشأن حضانة الأولاد ونفقات الأسرة. وبرغم طلب الفاتيكان نقل الملف بقي الملف حيث هو. والأنكى من هذا كله هو الجو العام في المحكمة المعادي للزوجة. إلا أن الزوجة التي رفضت أن يكون أصدقاء خصمها حكاماً بشأن مستقبلها ومستقبل أبنائها حملت الملف إلى أحد المؤتمنين على كل ما فيه من تسجيلات وصور داخل غرف المحكمة وأرسلته في أول طائرة متوجهة إلى روما. في الملف تفاصيل كثيرة توثق علاقة الزوج الوطيدة بالنافذين الكنسيين، وشهادات موثقة عند كتاب العدل من سائق الأسرة عن إلزام الزوج له بتقديم إفادات كاذبة عن سلوك الزوجة، ودعوى قضائية على الطبيبة النفسية التي استندت إلى إفادتين في تقويمها للزوجة وأهملت إفادتين تناقضهما تماماً وغيره الكثير. ولم تقف حماسة الزوجة لفضح ما تعانيه عند حدود طلب نقل الملف إلى الفاتيكان، وهو حق لها، بل حملته ودارت من مكتب فاتيكانيّ إلى آخر طوال ستة أشهر. خرجت من عند رئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردو ساندري لتدخل مكتباً آخر معنيّاً بالقضايا القانونية. مكتب محاماة قوي يتابع القضية في بيروت ومكتب أقوى يفتح العيون عليها في الفاتيكان، حيث يمكن بجهد قليل حجز كرسي في صالون ضيق يدخله البابا فرنسيس ليجمع بنفسه ومن دون وسطاء الظروف ممن يريدون إيصال رسالة مباشرة إليه. علماً أن المحكمة الروحية اللبنانية تتفاعل سريعاً عادة مع طلب محكمة الروتا الرومانية نقل الملف إليها، لكن المماطلة اللبنانية هذه المرة ضاعفت فضول الفاتيكان الذي يعلم طبعاً أن عذر اللبنانيين بوجود عطل في البريد الإلكترونيّ وغيره مجرد أكاذيب، وخصوصاً أن أحد الموظفين في المحكمة اللبنانية أعلم محامي الزوجة أن الملف سينقل إلى محكمة الـ"روتا" وحرر له وصلاً بقيمة أربعة آلاف دولار ثمن ترجمة الملف إلى الإيطالية. الجدير ذكره هنا أن المحكمة الفاتيكانية تسهّل منذ سنوات معاملات الطلاق، ولا ترهق أياً من الزوجين بعقد لا يريدانه من شأن إلزامهما به أن يدفعهما إلى تغيير ديانتهما أو تخريب علاقتهما بالكنيسة، لكنها تحرص في المقابل على حماية حقوق الطرفين وقيامهما بواجباتهما كاملة تجاه بعضهما بعضا.
الخلاصة تفيد بأن الكرسي الرسولي لا يحتمل أخباراً إضافية عن المحاكم الروحية اللبنانية التي تسبّب شرخاً روحياً بدل اللحمة، ولن يتفرج أكثر، وهو يجد أن الملف الذي بين يديه هذا المرة يتيح له التدخل بقوة لوضع حدّ لما يحصل وفتح كوة كبيرة في جدار المحكمة اللبنانية، وسط أنباء عن تفكير جديّ بفتح مكتب للمحكمة الفاتيكانية في السفارة الفاتيكانية في لبنان، حتى يتمكن مَن لا يملك كلفة السفر والترجمة من أن يرسل ملفه ليحكم فيه قضاة نزهاء لا أحد يعرفهم أو يمكنه الوصول إليهم، بدل أن يكونوا قضاة هم الخصم والحكم كما يحصل اليوم. ولا بدّ من الإشارة إلى أن رفع الزوجة القوية لمستوى التحدي، وعدم خوفها وانكسارها أدّيا إلى احمرار عيون كثيرة منها، ولا شكّ أن تراخي الفاتيكان اليوم في هذه القضية سيجعل السيدة تدفع ثمناً باهظاً جداً.