"ما من شك أننا نتجه صوب الجنون والفوضى المعولمين"... بهذه العبارة أرفق أحد السياسيين اللبنانيين ــــ من القلة التي تتثقف وتثقف ــــ رسالته إلى أصدقائه الإلكترونيين، متضمنة مقال مايكل مور الأخير، "خمسة أسباب، لهذا سيربح ترامب"!

بسخريته السوداء الشهيرة، وبمرارة الليبراليين المطلقين، يبدأ صاحب شريط "فاهرنهايت 9/11" مقاله بما يشبه النعي: بمزيد من الأسى والحسرة أبلغكم أن دونالد جاي ترامب سيكون رئيس أميركا في تشرين الثاني المقبل. ومنذ الأسطر الأولى يسارع حامل جائزتي أوسكار وإيمي إلى توضيح موقفه وتأكيد اصطفافه. فيصف المرشح الجمهوري ضمن السباق الأميركي بسيل من النعوت والصفات، مما يقدر على تحريك كل النيابات العامة في الوطن العربي، فيما لو قيلت مفردة واحدة منها عن زعيم من زعمائنا. يحرص مور على إيراد لائحة طويلة من الكلمات الهوليوودية، قبل ذكره اسم ترامب: "الرديء، الجاهل، الخطير، المهرج في بعض وقته والمريض المجتمعي كل الوقت... سيكون رئيسنا المقبل". بعدها يسهب المخرج الأميركي اللاذع في عرض الأسباب الخمسة التي، بحسب رأيه، ستجعل ترامب يفوز في الانتخابات الرئاسية الأميركية:
أولاً، لأنه سيحوز على أصوات أربع ولايات أميركية، معروفة تقليدياً بأنها ديمقراطية الميل والهوى السياسي. لكنها تبدلت نتيجة السياسات الاقتصادية في الحقبة الديمقراطية. يعدّد مور تلك الولايات: ميشيغان، أوهايو، بنسلفانيا وويسكونسن. يصفها بأنها مهد "البريكسيت" الأميركي الجديد. أناس بسطاء سحقتهم سياسات النظام الاقتصادية في ارتباطها بحسابات الازدهار الخارجي. اتفاقية "نافتا" للتجارة الحرة في شمال كندا، شراكة عبر الأطلسي، وسواها من الأنظمة العابرة للدول، التي رتبت على المواطنين الأميركيين عواقب باتت تشكل في وعيهم السياسي، تماماً ما مثّله الاتحاد الأوروبي في عيون البريطانيين الذين صوّتوا لصالح خروج بلادهم منه. هؤلاء، ستصبّ أصواتهم لمصلحة ترامب، خاذلين المرشحة الديمقراطية في صلب قاعدتها وعقر دارها.
ثانياً، استنفار "آخر رجل أبيض غاضب"، بحسب التعبير الأميركي الشهير. البيض الذكوريون المحافظون، سيخوضونها مع ترامب وكأنها أم المعارك وآخر قلاع سيطرتهم على أميركا "الواسب" أو حتى معركة حياة أو موت.
ثالثاً، "مشكلة هيلاري". يعترف مور بأن المرشحة الديمقراطية في حد ذاتها مشكلة. سبعون بالمئة من الأميركيين لا يثقون بها. بعد نشر مقالة مور، أجرت شبكة سي إن إن استطلاعاً جديداً كرر الانطباع نفسه: 68 بالمئة من الناخبين الأميركيين يعتبرونها غير جديرة بالثقة. الأسباب كثيرة: دورها في إدارة أوباما، الربيع العربي، مأساة بنغازي، بريدها الإلكتروني، تأييدها الحرب على العراق، فيما طوني بلير يعتذر عن تلك الكذبة بعد تقرير شيلكوت البريطاني ... كلها أسباب يدركها المناضل الديمقراطي، ليعترف أن كلينتون ليست الصورة التي ستحفز الناشطين الليبراليين للخروج من منازلهم يوم 8 تشرين الثاني، والذهاب للوقوف في صفوف الاقتراع الطويلة ...
رابعاً، مؤيدو خصمها الديمقراطي برني ساندرز، الذين لم يشفوا من الصراع التمهيدي، ولم يتخلوا عن حلمهم طيلة سنة بما سموه "حرارة" مرشحهم.
خامساً وأخيراً، ما يسميه مور "تأثير جيسي فنتورا". وفنتورا ليس غير مصارع أميركي شهير من النوع الاستعراضي المبتذل الذي يملأ شاشات ما خلف الأطلسي. كان نجم تلك الحفلات التي يهرع إليها الآلاف ليشاهدوا مسرحية سخيفة من المجالدين الممثلين والضربات المسبقة التدريب والتنفيذ والنتائج المفبركة سلفاً. ومع ذلك، حين اعتزل فنتورا حلبة التهريج الرياضي انتقل فوراً إلى حلبة التهريج السياسي. وكما في الأولى حقق نجاحاً باهراً جعله يفوز بمنصب حاكم ولاية مينيسوتا، فضلاً عن تحوله كاتباً رائجاً ومنظراً سياسياً ومعلقاً ومفكراً ومسبّع كارات أميركا الهوليوودية في كل كاراتها ومجالاتها ...
على تلك القاعدة، يرى مور أن هناك نسبة معينة من الناخبين الأميركيين، حين يختلون بأنفسهم خلف ستارة الاقتراع، سيكتبون اسم ترامب. لا لشيء إلا للتعبير عن رفضهم للنظام. كصرخة منهم ضد ما هو شائع أو معروف أو سائد. كفعل ثورة ذاتية ضد كل شيء. كصوت اعتراض على "سيستيم" خرج عنه ترامب ووعد بكسره.
لا يترك مور قراءه من دون أمل. يعدهم بأنه الأسبوع المقبل، سينجدهم بتحليل مماثل حول عقب أشيل الخاص بدونالد ترامب، وبالتالي بمدونة سلوك حول كيفية التغلب عليه. غير أن أسبابه الخمسة كافية لفهم ما هو أبعد من استحقاق رئاسي ومنافسة مرشحين وصراع حزبين واتجاهين في السياسة والحياة العامة. فهو يشرح مجتمعاً سياسياً وإنسانياً، ما يهمنا منه، أنه يقود العالم. مجتمع يجسد تماماً ما كتبه خبيره السياسي والأمني السابق، بريجنسكي، من أنه بات "خارج السيطرة". مجتمع استهلاك، لا للسلع، بل أصلاً وقبلاً وأيضاً، لاستهلاك الأفراد والمجتمعات والدول والعالم. اليوم بلغ مرحلة استهلاك ذاته. بعدما استنفد كل ما أمكنه استهلاكه في الأرض... في مقال المخرج السينمائي مايكل مور، نسي الكاتب أن يذكر أن لترامب تجارب هوليوودية أيضاً. في فيلم "تبليغ قبل أسبوعين"، يظهر ترامب في كوميديا تايكون عقاري يجتاح منازل الفقراء. وفي مسلسله الشهير "المتدرب" يقتصر دور ترامب على لفظ تلك المفردة بصوته الممسوخ: "أنت مطرود". فهل نضج الزمن لتسمع أميركا تلك الكلمة من كل فقرائها وفقراء العالم الذين طردتهم من نظامها الأرضي؟!