«طوقُ حلب» دخل الحرب السورية بشكل «رسمي». أربعة أعوام وبضعة أيّام مضت منذ استيقظ قاطنو الأحياء الشرقيّة على انتشار مسلّحي «لواء التوحيد» البائد، وعدد من المجموعات الأخرى في شوارعهم. الحدث دفع آلاف العائلات إلى مغادرة تلك الأحياء، ولسان حال معظمهم يقول «جمعتين زمان ومنرجع». لكنّ للحرب مساراتها التي لا تنطبق عليها الحسابات، ولا تصحّ معها الأمنيات. خلال السنوات الأربع تقلّبت أحوال المدينة مرّات ومرّات، قامت معابر بين الأحياء الشرقيّة ونظيرتها الغربيّة ثمّ اختفت. دُمّرت شوارع بأكملها وامّحت معالمُها، جرّبت الحرب بالحلبيّين فنوناً لم تخصّ بها سواهم. والذين كانوا يحلمون بالعودة «بعد أيّام» (بالأحرى من تبقّى منهم) ما عادوا يجرؤون على تمنية أنفسم بشيء.
سيطرة «قسد» على السكن الشبابي تُضيّق الخناق على مسلّحي «بني زيد»
أخيراً، وصلت الحرب مُنعطف «الطوق» الذي يفتح مساراً جديداً يُنتظر أن تشمل مفاعيله المشهد السوري برمّته. ولن يكون مستغرباً أن نكون على موعدٍ مع مشهد عودة «من تبقّى» من سكان الأحياء الشرقيّة خارجَها إلى «ما تبقّى منها»، في وقت قد يكون قياسيّاً بالمقارنة مع ما شهدته مدينة حمص قبل عامين. عسكريّاً وُلدَت فكرة «الطوق» لدى الجيش السوري وحلفائه أواخر عام 2013. وبدأت نتائج تطبيقها تتوضّح على الأرض مع العملية العسكريّة التي أفضت إلى فك حصار السجن المركزي في أيار 2014 («الأخبار»، العدد 2299). مع مطلع الشهر الحالي بدأ الجيش وحلفاؤه الخطوات الأخيرة في المسار الطويل، ليُعلَن اكتمالُها أمس عبر بيان رسمي عن القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة. البيان أكّد أنّ «وحدات من القوات المسلحة بالتعاون مع القوات الرديفة أنجزت مهامها العسكرية بنجاح وقطعت جميع طرق الإمداد والمعابر التي كان الإرهابيون يستخدمونها لإدخال المرتزقة والأسلحة والذخيرة إلى الأحياء الشرقية لمدينة حلب». وحمل البيان ما يمكن عدّه «عرض تسوية رسميّاً» تضمّن «منح كل من يحمل السلاح فرصة لتسوية وضعه من خلال تسليم سلاحه والبقاء في حلب لمن يرغب، أو تسليم سلاحه ومغادرة المدينة». ويأتي هذا الإعلان ليكمل مساراً «تفاوضيّاً» غير مُعلن انخرط فيه موفدو مركز مراقبة «حميميم» مع عدد من المجموعات («الأخبار»، العدد 2932).


خيارات المسلّحين

تؤكّد معلومات متقاطعةٌ حصلت عليها «الأخبار» أنّ عدداً من المجموعات المسلّحة (وعلى رأسها «جبهة النصرة») تبدو عازمةً على خوض معركة حلب حتى نهايتها. وتشهد كواليس المجموعات مشاورات مكثّفة حول «الخطط العسكريّة الأنجع للمرحلة المقبلة». وتنقسم الخيارات المتاحة أمام المسلّحين المحاصرين إلى شقّين أساسيين: دفاعيّة بحتة تسعى إلى إحباط خطط الجيش للتوغّل البرّي داخل الأحياء الشرقيّة، وأخرى دفاعيّة بصبغةٍ هجوميّة. وتشتمل الأخيرة على السعي إلى محاولات شنّ هجمات عبر خطوط التماس بين الأحياء الشرقيّة ونظيرتها الغربيّة (مثل سيف الدولة، المدينة القديمة، والميدان، وحتى حلب الجديدة)، في محاولة لتحقيق «خرق كبير». وشهد يوم أمس محاولةً من هذا القبيل عبر سعي المجموعات إلى القيام بهجوم من ناحية حي الشيخ مقصود الخاضع لسيطرة مسلّحي «قوّات سوريا الديمقراطيّة». لكن المحاولة مُنيت بالفشل وانعكست سلباً على المجموعات، حيث قامت قوّات «قسد» بإحباط المحاولة وتنفيذ هجوم ارتداديّ أدّى إلى توغلها في منطقة السكن الشبابي المتاخم لأحياء الشيخ مقصود، الأشرفيّة، وبني زيد. وتسهم سيطرة «قسد» على السكن الشبابي في تضييق الخناق على مسلّحي «بني زيد»، الذي شكّل باستمرار مصدر تهديد دائم للأحياء الغربيّة، قبل أن يصبح (على الأرجح) خارج المعادلة. كذلك تضمّ الخيارات العمل على محاولة كسر الحصار على محور الراموسة، وشنّ هجمات مباغتة تهدف إلى إغلاق هذا المنفذ الحيوي بالنسبة إلى الأحياء الغربيّة. كذلك، تحضر في خيارات المسلّحين محاولة الضغط على طريق «خناصر – السفيرة» الشريان الجنوبي لحلب، عبر مجموعات «جهاديّة» متحالفة مع «النصرة» وما زالت تحظى بحضور في الريف الجنوبي. ويشكّل الأخير وجهةً محتملةً لهجوم كبيرٍ تأمل «النصرة» وحلفاؤها في قلب الموازين عبرَه. وتنظر «النصرة» إلى الريف الجنوبي الغربي على وجه الخصوص بوصفه «خاصرةً هشّة» للجيش وحلفائه، خاصّة مع التمركز القوي الذي تحافظ عليه المجموعات المُعارضة هناك («الجهاديّة» منها على وجه الخصوص)، علاوة على «العمق الحيوي» الذي يوفّره الريف الشرقي لإدلب والمتّصل بريف حلب الغربي. وبطبيعة الحال، يبدو خيار «الضغط عبر المرافق الحيويّة» حاضراً لدى المجموعات القادرة على التحكم في واردات الكهرباء والمياه إلى حلب، وهو أمر سبق أن استغلّته المجموعات على امتداد الحرب. ولا تخلو الفترة المقبلة من مخاطر تكثيف المجموعات قصف الأحياء السكنيّة الغربيّة، بوصفه الخيار الأسهل للرد على تراجعها المستمر.

قد يبادر الجيش إلى خطوات استباقيّة في الريفين الغربي والجنوبي

... وخطط الجيش «حاضرة»

في المقابل، لا تبدو خطط الجيش السوري وحلفائه غافلةً عن ضرورة تأمين خطوط السيطرة على مختلف المحاور. مصدر عسكريّ سوري قال لـ الأخبار» إنّ «الإعداد لمعركة تحرير حلب قد استوفي كل الاحتمالات، ولم يستثنِ أيّ تفصيل». وتعليقاً على الخطط التي قد تلجأ إليها المجموعات، أكّد المصدر أنّ «ما يظنّها الإرهابيّون خواصر هشّة ستكون مقابر لهم بمعنى الكلمة». ولا يبدو مستبعداً أن يبادر الجيش وحلفاؤه إلى خطوات استباقيّة في الريفين الغربي والجنوبي وما بينهما، للحيلولة بين المسلّحين وبين تنفيذ أي هجمات نحو الحاضر، أو الوضيحي، أو جبل عزّان (وجميعها نقاط استراتيجيّة في الريف الجنوبي). كذلك يُفترض أن تكون الخطط العسكرية قد لحظت في عين الاعتبار إمكانيّة شنّ هجمات انطلاقاً من المنصورة (ريف غربي) أو كفر حمرة (ريف شمالي غربي). وهو ما قد يسعى الجيش إلى استباقه بشن هجمات انطلاقاً من مناطق سيطرته في نبّل والزهراء (ريف شمالي) في اتجاه عندان وحريتان وكفر حمرة، تمهيداً لتطويق هذه القرى والبلدات أيضاً. وتوحي المؤشّرات المتوافرة بأنّ الجيش لن يكتفي بفرض «الطوق» وإحكامه، بل سيسعى إلى تحقيق قضماتٍ متتالية على مختلف المحاور، وفق تكتيك «تشتيت الجبهات» الذي أثبت نجاعته في معركة الطوق («الأخبار»، العدد 2921). ويلعب الحصار الذي فُرض على مسلّحي المدينة دوراً إضافيّاً في تعزيز نجاعة هذا التكتيك الذي يؤدي إلى استنزاف مخزون المجموعات من الذخيرة والعتاد بشكل سريع. وسبق للجيش أن عمل وفق تكتيك مشابه في العملية العسكرية التي أدّت إلى فك حصار بلدتي نبّل والزهراء في شباط الماضي، وما تبعها من بسط أقواس سيطرة قطّعت أوصال مناطق سيطرة المسلّحين وحرمتهم فرصة تبادل الإمدادات. («الأخبار»، العدد 2807).




المدنيّون إلى أين؟

في الوقت الراهن، يتوزّع على الأحياء ما يقارب 200 ألف نسمة وفقاً لأرجح التقديرات الموثوقة، فيما يؤكّد «المجلس المحلي بحلب» أنّ العدد يتجاوز 325 ألف نسمة (وهو رقمٌ مبالغٌ به حتماً). وأفادت معلومات حصلت عليها «الأخبار» عن بدء سلسلة مشاورات بين محافظة حلب وعدد من ممثلي المنظّمات الدولية فيها للبحث في سُبل «إخلاء من يرغب من المدنيين». ويبدو أنّ الحديث عن آليّات واضحة ما زال مبكراً، نظراً إلى ما يحتويه الملف من تعقيدات يفرضها التباين في نظرة كلّ من مؤسسات الدولة السورية والمجموعات المسلّحة إلى التطورات الأخيرة. وتُشكّل الوجهة التي سيتاح للراغبين في مغادرة الأحياء الشرقيّة الانطلاق نحوها، وطريقة الإجلاء وضوابطُها بعض تعقيدات الملف، سواء في ما يتعلّق بالمدنيين أو المسلّحين الراغبين في «تسوية أوضاعهم». عمليّاً، يصطدم موضوع «الإجلاء» بعوائق أخرى، على رأسها مدى قدرة المجموعات المسيطرة في الأحياء الشرقيّة على تبنّي موقف واحدٍ. ومن المرجّح أن يكون خيار المغادرة بقرارٍ فرديّ غير متاحٍ لا للمدنيين (ومن بينهم عائلات لمسلّحين) ولا لأفراد المجموعات. ومن شأن ذلك أن يقود القضيّة إلى ميدان الشد والجذب على إيقاع المعارك المستمرّة، التي لا يُتوقّع لها أن تصل إلى خواتيمها بسهولة.