على بُعد عشرات الأمتار مما كان يوصف في الحرب الأهلية بخط التماس الفاصل بين مسيحيّي العاصمة ومسلميها، ثمة كنيسة لا يعرف كثيرون من أهل المدينة أنها موجودة في المزرعة. المنطقة في عقل البعض لا تزال "بَعد المتحف". الحيّ التجاريّ مزدهر و"الحياة بألف خير"، يقول أحد رواد المقهى الشعبي الذي يطرب جيرانه بنقر الزهر فوق خشب الطاولات طوال اليوم. أحد المسنين المستمتعين بتقاعدهم الهادئ في المقهى، يُخبر أنه ورفاقه من أبناء الكنيسة، كانوا أطفالاً "في الطريق إلى المدرسة حين وقعنا من الباص"، فـ"لمّتنا" منظمة التحرير الفلسطينية والحزب الشيوعيّ اللبناني. "ربّونا وكبّرونا". وحين انهار "الاتحاد السوفياتي ومنحه الجامعية" كان قد مر "قطوع الحرب" من دون أن ينال منهم أو يهجّرهم، فـ"سيسروا" أمورهم مع جيرانهم، سواء كانوا من أنصار حركة أمل، أو من مؤيدي الرئيس رفيق الحريري. و"حتى لا يتفلسف عليك أحد، قول إني أحكي عن حالي، أنا كل بيروت بتعرفني". يقول ذلك قبل أن يطلب عدم ذكر اسمه! صديقه يصعد إلى منزله ليُحضِر صوراً يظهر فيها تسعة شباب يحملون الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في صورة، والرئيس نبيه بري في صورة أخرى والرئيس رفيق الحريري في صورة ثالثة. و"حماسة أهل العريس" ترتسم هي نفسها على وجوههم في الصور الثلاث.

مسيحيو المزرعة لم يصمدوا فحسب في "الجزء الآخر" من العاصمة، بل وسّعوا كنيستهم وضاعفوا عدد مبانيهم وازدهروا تجارياً، دون منّة من "الأحزاب المسيحية". يوم الأحد، يزدحم في كنيستهم أضعاف المصلين في كنائس "المناطق المسيحية". تنقّل كثيرون منهم بين عدة أحزاب، لكنهم بقوا دائماً أرثوذكسيين. يحيّي أحدهم أصدقاءه في الموقف الكبير المقابل للكنيسة ويركن سيارته من دون أن يدفع بدلاً لأن "الموقف لنا"، ويمر ببضعة مبانٍ يعرف سكانها واحداً واحداً كما يدل الصراخ المتبادل بينه وبينهم، ويصعد إلى الطبقة الأولى في إحدى البنايات حيث ينتظره فنجان قهوة يطلق قريحته: "سجّل عندك إسم فيليب الزهار؛ هذا أعطى الاتحاد السوفياتي كل الأرض التي شيدت السفارة الروسية عليها مقابل ليرة لبنانية واحدة. بيروت كانت عقارياً مدينة أرثوذكسية".
لا يلبث أحد الجيران أن يتدخل ليعيده إلى أزمتهم الحالية:
في المزرعة البيروتية، نحو 300 "بيت أرثوذكسي"، يحيطون بكنيستهم من جميع الجهات. أملاك الوقف التابع للكنيسة كثيرة؛ منها نحو عشر بنايات ونادي التعاضد وموقف سيارات كبير وسط السوق وغيره مما يستفيد أهل كنيسة المنطقة منه على نحو شبه مجاني، على اعتبار "الوقف رزقاً تركه أثرياء الطائفة لفقرائها في عهدة الكنيسة". وكانت ثمة لجنة خاصة بالوقف تدير هذا الرزق، فتجمع الإيجارات لتبني بدل البناية بنايتين، وتوزع المساعدات على المحتاجين وتؤمن للكنيسة صالة أعراس من شأنها التوفير على أبناء الرعية القاطن جزء كبير منهم في مبانٍ يملكها الوقف، بدل "إيجار رمزي". ولا شك أن هذا "الإيجار الرمزي" ساهم في تمسك الأهالي ببقائهم في هذا الحي التجاري المزدهر. لكن مع هجرة ووفاة أربعة من أعضاء لجنة الوقف السداسية، وتحرير أحد الوكلاء إيصالاً مرة وإعطائه المحتاجين أموالاً دون إيصال مرة أخرى، وحصول "هدر كبير" وفق مصادر المطرانية، وجدت مطرانية بيروت للروم الأرثوذكس الفرصة سانحة للتدخل بقوة على خط إعادة تنظيم الوقف في المزرعة وإدارته. وإعادة التنظيم تعني طبعاً ــــ برأي أبناء الرعية المستفيدين من أوقافهم ــــ إعادة النظر في أكثر من مئتي عقد إيجار واستثمار.
موقف المطرانية قوي؛ المؤيدون لتدخلها يقولون إن "الوقف ليس رزقاً سائباً" ولا بد من وضع هيكلية إدارية وتنظيمية جديدة تضاعف الأرباح من جهة، وتؤمن العدالة للجميع، فلا يستفيد واحد ويحرم آخر. يتسلّح مؤيدو التدخل بأن بعض أبناء الرعية يتعاملون مع الوقف بصفته ملكاً خاصاً لهم، فلا يدفعون بدل إيجار، ولو كان 2500 ليرة بدل موقف سيارة. ويستنفر في خدمة مشروع المطرانية الجديد كل من نائب المنطقة عاطف مجدلاني الذي يتحدر من أكبر عائلات المزرعة الأرثوذكسية وأبرزها سياسياً، كاهن رعية المزرعة، مختار الحي الأرثوذكسيّ، وكل من كان للمطرانية فضل مباشر عليه. أبناء الحي لا يريدون خوض معركة، فتجدهم أكثر ميلاً إلى المهادنة، أملاً بتسوية تحفظ بقاءهم. وهم قلقون جداً مما ينتظرهم. فالمزرعة حيّ شعبي وقاطنوه ليسوا ممن يسعهم دفع إيجارات مرتفعة أو الانتقال إلى حيّ آخر أقل كلفةً. "ابن المزرعة يموت في المزرعة".
الخطوة المفصلية أو الرسالة الأبرز حتى الآن التي وجهتها المطرانية تمثلت بوفود مجموعة عناصر أمنية في نهاية الأسبوع الماضي لوضع الشمع الأحمر على صالون الكنيسة الذي تقام فيه مجموعة احتفالات في نهاية كل أسبوع، بسبب "وجود نزاع قانوني بشأنه وطلب المطرانية عدم دخول أحد إليه". وهو ما أربك أهل الكنيسة الذين لم يكونوا على علم بأن ثمة ادعاءات كنسية، وعمّت الحي بالتالي موجة تكهنات، فيما هرع كثيرون إلى منازلهم وقرروا البقاء فيها، علّ القوى الأمنية تريد وضع الشمع الأحمر عليها أيضاً.
اللافت في هذا السياق أن المطران الياس عودة يحظى بالاحترام اللازم للحؤول دون ارتفاع حدة الاحتجاج. وهو يحرص على تهدئة من يراجعه. لكن الأهالي يريدون ضمانات، قانونية، بألا يطرق أحدٌ بابهم غداً، ليطالبهم بدفع إيجار سنوي مسبقاً، وبمضاعفة الإيجار الشهري ليصل إلى قيمته السوقية الحقيقية التي لا يحتملونها، أو مغادرة الشقة. "في المدرسة والجامعة نحن ندفع الفاتورة وحبة مسك لأنهم يقولون لنا إن المدرسة والجامعة تخسران. وغداً يمكن أن يقولوا لنا إن الوقف يخسر ويتعين عليهم مضاعفة إيجار المنازل". ويعدّد أحدهم مباني في نطاق وقف آخر قررت اللجنة الاقتصادية مضاعفة الربح منها، فحلت فروع المصارف محل الدكاكين الصغيرة التي هُجّر أصحابها. الحيّ، يقول أحد الأهالي، يحتاج الى نادٍ رياضي وإلى موقف للسيارات أكثر مما يحتاج إلى مصرف. اللجنة الاقتصادية لن تفهم أو تتفهم ذلك طبعاً.
قانونياً، المطرانية في الموقع الأقوى طبعاً وقد سبق لآلاف الفقراء أن طردوا من أراضي الوقف الكنسي دون أن يرف لأحد جفن. هنا، على بعد مئات الأمتار منهم رجل ولد وعاش وكان ينوي الوفاة في منزل صغير خلف الأبراج، قررت مطرانية بيروت للموارنة طرده منه وهدمه لتشييد بناية ضخمة مكانه، ورغم تهديده ووعيده وتزنير البيت بقوارير الغاز، انتصرت المطرانية.
المزرعة مهددة فعلاً. التهجير الديموغرافي الذي بدأ قبل الحرب استكمل ببرودة بعدها. وثمة انكسار شعبي، لكن لا ثورة ولا انتفاضة ولا مسار قانونياً يمكن التعويل عليه. بلاط المؤسسات الدينية ــ لا الكنيسة الأرثوذكسية وحدها، ولا الكنائس وحسب، إنما جميع المؤسسات الدينية ــ يمتلئ برجال أعمال ومصرفيين يعرفون قيمة هذه العقارات وهم يمهلون، لكن لا يهملون أبداً.