تتواصل حلقات السقوط العربي مع إسرائيل يوماً بعد يوم. ليست المشكلة في أن الأخيرة انتقلت من محلّ العدو إلى الصديق أو الحليف، أو أن هناك من الرؤساء العرب، الآتين بعد «ثورات الربيع العربي»، من يرى في فلسطين حملاً زائداً يجب إلقاؤه في البحر بسرعة، بل المشكلة في أن تل أبيب تقدم نفسها كجزء من تاريخ المنطقة.

هذا ما تريد القاهرة وتل أبيب صنعه بالزيارات واللقاءات الحميمة والمتبادلة. فقبل أسابيع من لقاء قمة سيجمع رؤوس إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية، توجه الرئيس الإسرائيلي، رؤوبين ريفلين، ورئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، للاحتفال مع المصريين في سفارتهم لدى تل أبيب، بمرور 64 عاماً على «ثورة 23 يوليو».
نتنياهو استهلّ كلمته بمديح مصر «الجديدة» ورئيسها، قائلاً إنها «دولة رائدة في منطقة الشرق الأوسط، وتلعب دوراً محورياً في القضية الفلسطينية»، موجهاً الشكر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، على المقترح الذى قدمه لإيجاد حل للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما لم ينس أن يقدم «خالص التهنئة للشعب المصري في احتفالاته بعيد الثورة».
وعلمت «الأخبار» من مصدر في الخارجية المصرية أن هذه «المشاركة العالية المستوى أمر استثنائي في طبيعة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتعبّر عن وضع خاص للعلاقات الثنائية، وخاصة أن العرف جرى على توجيه الدعوات إلى الرؤساء ورؤساء الحكومات في احتفالات العيد الوطني، وعادة ما يوفدون مندوبين عنهم». وأضاف المصدر: «السفارة المصرية لدى تل أبيب تجري اتصالات مكثفة مع نتنياهو، وربما يكون هذا السبب في مشاركته بذكرى الثورة المصرية، أي لشكر السفير المصري هناك (حازم خيرت) على جهوده في استئناف عملية السلام».
بعدما استمع الجميع إلى «الأغاني الوطنية للبلدين»، أسهب نتنياهو في شرح أن «إسرائيل ومصر صنعتا التاريخ، وشعبيهما وضعا الأسس ربما الأكثر أهمية في الحضارة الإنسانية قبل آلاف السنين... واليوم يواجه شعبانا، والعالم كله، الإرهاب والذين يحاولون تخريب الحضارة البشرية». وأضاف: «السلام بيننا قوي ومتين، منذ ما يقارب أربعة عقود... وتجاوز كل الحفر والعواصف والتحديات، وقد فتح الأمل، ليس فقط من أجلنا، وإنما من أجل المنطقة كلها»، مكملاً: «نبارك أي تعاون مع الدول الأخرى في هذه الجهود المهمة (جهود السيسي)».
رئيس حكومة العدو حرص على التذكير أنه، وريفلين وبقية المسؤولين، «يمثلون كل مواطني دولة إسرائيل، الذين يقولون لكم: نحن نؤمن بالسلام، ونحن نريد توسيعه ونريد تهنئتكم بعيدكم». كذلك رأى ريفلين أن «إسرائيل تقف إلى جانب مصر في مكافحتها للإرهاب»، لافتاً إلى أنه «منذ التوقيع على اتفاقية السلام، تحولت مصر إلى شريكتنا الاستراتيجية في الأمن والتجارة والتعاون الإقليمي، والسنوات التي مرت هي دليل على أهمية وفائدة السلام الكثيرة».
وشدد الرئيس الإسرائيلي على ضرورة «الاستفادة من كل ذلك من أجل المستقبل»، معبراً عن أمله بإيجاد «الطريق إلى السلام في منطقتنا، وخاصة أن هذا الجيل يتوق إلى التطور والتقدم والاستقرار في مجال الهايتيك والعلوم والتجارة». وتابع: «آمل أن نستطيع العمل معاً من أجل فعل ذلك لفائدة الشعبين. وإذا ما نجحنا، لا يوجد لدينا شك بأن ينضم إلينا لاعبون آخرون من الساحة الدولية ومن المنطقة كلها».

«سرايا القدس» تكشف عن أسلحة جديدة وصواريخ بمدى أبعد

وفيما أعرب ريفلين عن «تقدير دولة إسرائيل لالتزام الرئيس السيسي»، أكد السفير المصري أن «مصر ستدفع باتجاه مبادرات السلام الدولي من أجل مساعدة إسرائيل والفلسطينيين للتعايش معاً». وقال خيرت إن خطاب السيسي وزيارة وزير الخارجية، سامح شكري، سيؤديان إلى «بناء حوار مع السلطة الفلسطينية، يقود إلى خطوات بالاتجاه الصحيح»، مضيفاً: «لا شك لدينا في أن آثار مسيرة السلام ستؤثر في كل علاقات المنطقة».
وبينما كانت مصر وإسرائيل تتبادلان الود، ذهب نتنياهو لزيارة مستوطنات إسرائيلية متاخمة لقطاع غزة، في أعقاب الضجة التي أثارتها قضية رفع شكاوى من عائلات القتلى الإسرائيليين خلال الحرب الأخيرة (راجع عدد أمس)، ومطالبتها بتشكيل لجان تحقيق وفحص أداء الحكومة وإمكانية حدوث إهمال في متابعة خطر الأنفاق الهجومية.
نتنياهو توعد بـ«الرد الحازم» على أي هجوم ينطلق من غزة، مهدداً بالقول: «الاعتداء علينا سيؤدي إلى تدمير (حركتي) حماس والجهاد الإسلامي»، ومشيراً في الوقت نفسه إلى استعدادات يقوم بها جيش العدو دون الكشف عنها. وتابع الحديث: «سياستنا تقضي بالرد الحازم على أي خرق للتهدئة ولو كان صغيراً. أنتم تشاهدون ذلك. كما نوضح لمن يواجهنا أن قواعد اللعبة قد تغيرت».
ووفق بيان لمكتب نتنياهو، اطّلع الأخير على «أعمال حماية منازل إسرائيلية في البلدات المتاخمة لغزة»، وقال: «أريد أن أشدد على أن الحماية تشكل أداة لإنقاذ حياة المواطنين، لكنها ليست بديلاً من القوة الهجومية الضاربة التي نعززها أيضاً. أسمع باستمرار ما تفعله حماس، لكن أعلم ما نحن نقوم به وما نخطط له وأعلم كيف نعد العدة ولكن لن أكشف كيف».
في غضون ذلك، أقامت «سرايا القدس»، الذراع العسكرية لـ«الجهاد الإسلامي»، عرضاً عسكرياً بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لانتصار المقاومة الفلسطينية في الحرب الأخيرة على غزة. وعرضت «السرايا» في ملعب مدينة رفح، جنوب غزة، أسلحة جديدة مثل صواريخ «الكورنيت» المضادة للدبابات، وصواريخ «ستينغر» المضادة للطائرات. أما مفاجأة العرض، فكانت إدخال الجهاد الإسلامي صاروخ «أس ٣٥٠» الذي لم تكشف عن مداه، لكنها قالت إنه يحمل رأساً متفجراً أكبر ويصيب أهدافه بدقة أعلى.
وكان نتنياهو قد قال إن إسرائيل تتعاون مع جهات «ترى في حماس عدواً مشتركاً»، من دون ذكر تلك الجهات، مشيراً، خلال مراسم تأبين قتلى الجيش الذين سقطوا خلال الحرب الأخيرة على غزة، أول من أمس، إلى أن «وضع إسرائيل الأمني تحسن منذ عملية الجرف الصامد (حرب 2014)، وهي تتعاون مع جهات تعتبر حماس عدواً مشتركاً»، في إشارة إلى مصر التي دمرت الأنفاق على الحدود مع القطاع، وكذلك السعودية التي وصل التطبيع بينها وبين إسرائيل إلى مراحل علنية.
(الأخبار، الأناضول)