قبل عامٍ وثمانية أشهرٍ، كان «اللقاء» الأخير عبر الهاتف. سمع الوالد صوت ابنه محمد يوسف، العسكري المخطوف لدى تنظيم «داعش»، بضع دقائق ثم انتهى كل شيء. غاب الصوت ولم يتكرر. بقى صداه والعبارة الأخيرة «ما تتركني يا بيّي، ضلّك عم تطالب».

وحده، هذا الصوت بقي يسند قلب حسين، الأب المفجوع ببكره. يتذكّره كلما أحسّ بضعفه. هذا الصوت «يقوّيني. من دونه لا طاقة لي على البقاء حياً». يحتاج حسين إلى هذه القوّة، كي يبقى صامداً «لأجل من ينتظرني من أهالي العسكريين». حسين بالنسبة إلى هؤلاء هو «القشّة» التي «يتكمّش» بها الغرقى. يراقبونه، بعدما صار بالنسبة إليهم وحدة قياس أملهم. هو الآن كل شيء، في مواجهة الصمت المطبق «من جانب الدولة التي تردّد على مسامعنا العبارة نفسها: لا شيء لدينا إلى الآن». وهذا حمل ثقيل، يوازي في لحظات الوجع «غياب ابني عني».
هناك، أمام الخيمة التي صار لها من «العمر» عام وعشرة أشهر، يعدّ حسين يوسف أيامه في انتظار عودة ابنه.

جلّ زيارات السياسيين إلى الخيمة كانت لرفع العتب ولم تحمل لنا خبراً
يراقب الطريق المؤدي إلى السرايا، علّه «يتلقّط» بأحدهم ليسأله عن مصير المختطفين، الذين يكملون عامهم الثاني في بلاد الله الواسعة، في الثاني من آب المقبل. وغالباً ما يعود خالي القلب من خبرٍ قد يعفيه من التفكير بالسيناريوهات المؤلمة التي تثقل رأسه. يعتب حسين، كما الأهالي، على صمت الدولة «ولامبالاتها وتكتّم المعنيين بملفّنا». ولئن كان يقدّر السرّية لدى المتابعين للملف، إلا أنّه «مش على الأهالي». وغداً، في التجمّع الذي يقيمه الأهالي أمام الخيمة في ذكرى مرور عامين، سيتلو حسين هذا العتب. سيقول للدولة «يا عيب الشوم عليك».
طوال عامين، لم يأتِ خبر من المكلّفين الرسميين بمتابعة ملف العسكريين. مع ذلك، لا يجد الأهالي مفرّاً من سؤال هؤلاء في كلّ حين عمّا آلت إليه الأحوال، وإن «كنّا نستعين أيضاً بما تيسّر لنا من معارف وقنوات اتّصال». لكن، «لا من هنا ولا من هناك»، يأتي الخبر. لا يسع هؤلاء سوى الانتظار، وهم يفعلون ذلك أصلاً. يديرون عدّاد الأيام وينتظرون. وهذا ما يفعله حسين الذي هجر بيته في البقاع الغربي، ولجأ إلى الخيمة. يستيقظ في الصباح الباكر، يرمي تحيّة الصباح على صورة ابنه المعلّقة أمام عينيه وينتظر أمام شاشة التلفاز. يقلّب بين محطّة تلفزيونية وأخرى بلا جدوى... ويعدّ أيامه في غياب الابن، كما يعدّ أعقاب السجائر التي كان قد نفثها للتو. وعندما «يتثاءب» الليل، يلجأ إلى فراشه ويقلّب صور ابنه في الأسر «وهي ثلاث فقط» ويغيب. ومثله يفعل البقيّة المنتظرون ومثلهم كان يفعل المنتظرون منذ 41 عاماً على مقربة منهم في خيمة أهالي المفقودين والمخفيين قسراً. لم يعرف حسين وجع هؤلاء، الذين يتساقطون الواحد تلو الآخر، إلا بعد اختطاف ابنه. يقول «عندما كنت أشاهدهم يتكلمون بعد كل هذه السنوات عن أبنائهم وكأنّهم فقدوا للتو، كنت أستغرب هذا، أما اليوم فقد عشت وجعهم، صرت أعرف معنى أن تفقد أحداً وتنتظره». يلعن حسين هذا الانتظار ، ولكن لا بديل منه و«خصوصاً أن لا أحد يلتفت إلينا إلا رفع عتب»، مشيراً إلى أنّ «جل من زارنا من السياسيين لم يحمل لنا خبراً، باستثناء قلة منهم». يعرف أن «هؤلاء لم يختبروا وجع الأهالي». يبلّل الدمع حدقتي عينيه ويسكت. أتبكي؟ يجيب «إي، الدمعة بتفشّ الخلق. بس حسّ إني عم بفقد ببكي». وكذلك تفعل زوجته «التي تنام وتصحو على البكاء»، ثم يكمل متسائلاً «أتعرفين أنّ ابنه الوحيد كلما رأى عسكرياً يناديه بابا؟ وأنني أمنع أحداً من قص شعر ابنه إلى حين عودته؟ وأننا تركنا ثيابه معلّقة كما هي كي يأتي هو ويحرّكها؟». كل هذا «لا تعرفه الدولة»، يقول. عتبه كبير على الدولة، ولذلك يفكّر في أحيانٍ كثيرة بأن «أذهب لجلبه بيدي»، ثم يستدرك قائلاً «لو أنني أعرف مكانه. ولكن لو أتيحت لي الفرصة، يستحيل أن أرجع من دونهم». لا يقبل حسين أن يتحدّث عن ابنه وحده، فـ«الشباب كلهم مثل محمّد والغصّة التي في قلبي هي غصّة كل الأهالي».
غداً، لن يقف حسين وحده أمام الخيمة. سيؤوي إليها كل أهالي العسكريين المختطفين (الأحياء والشهداء) ليسألوا الدولة سؤالاً يتيماً «لماذا لا يوجد خبر واحد إلى الآن عن أبنائنا؟ أين هي الحلقة المفقودة؟»، وهم يعرفون بأن الجواب لن يأتيهم، كما لم يأتهم الجواب من مؤسسة الجيش اللبناني التي تمنوا عليها ألا تحتفل بعيد الجيش، فيما هناك أسرى لها.