منذ أيام، اتهّمت مُستأجرة قديمة (في حي السريان في الأشرفية) مالك العقار (الذي تقطن فيه منذ سنوات طويلة) بأنه دفع بعض الأشخاص الى الإعتداء عليها وضربها بهدف "تهشيلها" من دون أن يدفع لها تعويضا. شكت من سلسلة المضايقات التي يقوم بها المالك بشكل دوري. سبق هذه الحادثة، استدعاء مُستأجر الى التحقيق الأسبوع الماضي بعد رفضه استقبال الخبراء المُكلّفين من قبل المالك لتخمين العقار. يجزم عدد من المُستأجرين بأن هذه "المُمارسات" تأتي ضمن سياق المناكفات "اليومية" مع المالكين والقضاء على حد سواء. يقول مستأجرون إنهم سئموا المحاولات المتكررة لجعل القانون نافذا "عبر وسائل التهديد والترهيب والتهويل والإستقواء بأحكام بعض القضاة في ما يتعلّق بالإخلاء للضرورات العائلية والهدم وممارسات عناصر قوى الأمن". برأيهم، هذه "الوسائل"، جعلتهم يرضخون قسرًا لتوقيع عقود جديدة.

انطلاقا من هذا الواقع، يُنظّم المُستأجرون القدامى اليوم، اعتصاما عند الساعة الخامسة، بالتزامن مع انعقاد "هيئة الحوار الوطني"، وذلك لتاكيد "رفض قانون التهجير والتشريد"، وللمطالبة بسحب القانون من التداول "تمهيدا لاقرار قانون عادل ومتوازن يرفع الغبن عن المالك ويحمي حق السكن". تحرّك المُستأجرون، يأتي في ظل مُستجّدات عدّة، آخرها رد وزارة المالية لطلبات المستأجرين من ذوي الدخل المحدود للإستفادة من صندوق المساعدات، مؤكدة انه لم يتم إنشاء الصندوق بعد.

70% من الأسر لا يتجاوز دخلها السنوي 10 آلاف دولار

مؤخرا، لجأ عدد من المُستأجرين من ذوي الدخل المحدود الى تقديم طلبات لدى وزارة المالية للإستفادة من صندوق المُساعدات، ردّت الوزارة طلباتهم، وهنا "لبّ" قضية المُستأجرين، إذ كيف لبعض القضاة أن يحكموا بنفاذ القانون واعتباره قابلا للتطبيق في حين أن شقّا أساسيا كإنشاء الصندوق لم يُنفّذ بعد؟ هذا الأمر تُرجم العام الماضي عبر قرار رئيس محكمة الإستئناف المدنية القاضي غسان عويدات (2 تموز 2015)، الذي قرّر إخلاء المُستأجرة للمأجور، وترك العنصر المتعلّق بالمساعدة المستحقة للمستأجرة بموجب القانون نفسه عالقا الى حين إقرار التعديلات على القانون في المجلس النيابي.
في معرض دراسة التعديلات على القانون، التي كانت تجريها لجنة الإدارة والعدل النيابية في العام الماضي، وضعت وزارة المالية تقريرا حول "إمكانية إعادة التدقيق بالكلفة التي قد يُرتبها قانون الإيجارات الجديد على الخزينة العامة". يُظهر التقرير، أن الكلفة الإجمالية التقديرية لمساهمة الصندوق عن تمديد عقود الإيجارات المشمولة بأحكام القانون ستقارب المليار و830 مليون دولار خلال السنوات التسع لتمديد التأجير، مُقدّرا الكلفة السنوية بنحو 290 مليون دولار. هذه الكلفة تتوزع على الأكلاف المترتبة على الوزارة في ما يتعلّق بمستأجري بيروت، جبل لبنان، الشمال، الجنوب، النبطية، عكار، بعلبك، البقاع والهرمل. وبلغت الكلفة في بيروت نحو 119 مليون دولار، يليها جبل لبنان بـ123 مليون دولار، ومن ثم 42 مليون دولار للمنطقة التي تشمل الشمال والجنوب والنبطية وأخيرا 5 ملايين دولار للمنطقة التي تشمل عكّار والبقاع وبعلبك والهرمل.
اللافت أن "الفرضيات"، التي يُشير اليها التقرير ويوصي بأخذها بالإعتبار، هي "إمكانية خفض القيم التأجيرية في بيروت"، وهو أمر عدّه بعض المتابعين مهما لناحية دحض واقع الإرتفاع الثابت للقيمة التأجيرية. الأمر اللافت الآخر الذي يُشير اليه التقرير هو "موقف بعض القضاء وبعض المصارف الذي ينحو بإتجاه تقدير القيم البيعية للعقارات القديمة بما يساوي نسبة 50% من قيمتها فيما لو كانت أبنية جديدة"، وهو ما يُبرّر مخاوف المستأجرين حول حجم الزيادات التي ستطرأ عليهم، بما ان الزيادات سُتحدد وفق القيمة البيعية الحالية للمـأجور (طالما هناك سعي مُستمرّ الى رفع القيمة البيعية للمأجور).
تجدر الإشارة أن التقرير اعتمد أن 85% من المستأجرين القدامى تنطبق عليهم شروط الاستفادة من الصندوق، 75% منهم يستفيدون كليا و25% استفادة جزئية، استنادا الى أن نحو 70% من العائلات اللبنانية لا يتجاوز دخلها السنوي الـ10 آلاف دولار.
هذا الأمر يعني عمليا، أن غياب الصندوق يُشكلّ عائقا أساسيا أمام تطبيق القانون، ويفرض إعادة طرح معضلة القانون على أولويات القوى السياسية والمجلس النيابي.
يستند المُستأجرون هنا، الى تصاريح عديدة أعلنها معنيون تُفيد بـ "إستحالة" تطبيق القانون بصيغته الحالية. من ضمنها تصاريح رئيس المجلس الدستوري حول ضرورة إعادة النظر بالقانون وتعديله من قبل مجلس النواب قبل تطبيقه، سواء ما يتعلق بالمواد التي جرى إبطالها لمخالفتها الدستور او في ما خص توصيات المجلس الدستوري حول مسؤولية مجلس النواب حماية حق السكن بصفته حق دستوري للمواطنين. كذلك يستند المستأجرون الى لجوء الهيئة العامة لمحكمة التمييز الى توقيف العمل بقرار المحكمة الاستئنافية المذكور أعلاه الى حين دراسة القانون بوضعه الراهن ومدى قابليته للتنفيذ.





صندوق مساعدة المستأجرين

يُنشأ بموجب قانون الإيجارات الجديد (المادة 3) صندوق يكون تابعا لوزارة المالية وتُمسك حساباته لدى مديرية الخزينة في هذه الوزارة، يسعى الى مساعدة جميع المُستأجرين المعنيين بهذا القانون الذين لا يتجاوز معدل دخلهم الشهري 3 أضعاف الحدّ الأدنى (عدّلته لجنة الإدارة والعدل النيابية التي كانت مكلفة تعديل القانون ليشمل كل من لا يتجاوز دخلهم الشهري الـ 5 اضعاف الحد الأدنى في نيسان الماضي، لكن هذه التعديلات لم تُقرّ بعد). يُمثّل الصندوق، "ضمانة" للمستأجرين العاجزين عن دفع زيادة البدلات التي ستُحدّد وفق السعر الحالي للعقارات. حتى الآن لم تتضح آليات تمويل هذا الصندوق ولم يُنشأ بعد.