بحسب إحصاءات قوى الأمن الداخلي، ومنذ بدء تطبيق قانون السير الجديد في نيسان 2015، انخفض عدد الحوادث بنسبة 30%! عام 2014 سُجّل نحو 4947 حادثاً نجم عنها 655 قتيلاً. وسُجل في عام 2015 نحو 3802 حادثاً سقط فيها 543 قتيلاً. وحتى 10 تموز 2016 سُجّل 1233 حادثاً و218 قتيلاً (أرقام أوليّة). إلّا أن احتساب عدد الحوادث المميتة قياسا الى مجموع الحوادث يشير إلى ارتفاعها على عكس ما توحي به هذه الاحصاءات، اذ ان معدل عدد القتلى الى عدد الحوادث عام 2014 كان 0.13 قتيلا لكلّ حادث، وارتفع إلى 0.14 عام 2015. كذلك ارتفع عدد القتلى على الطرقات من 31 قتيلاً في نيسان 2015 إلى 59 في آب، لينخفض إلى 31 قتيلاً في كانون الثاني 2016 قبل أن يعاود الارتفاع إلى 39 في حزيران الماضي.

أمّا مقارنة أرقام قوى الأمن الداخلي عن عدد القتلى على الطرقات بأرقام منظّمة الصحّة العالميّة التقديريّة من جهة، وبأرقام الصليب الأحمر اللبناني من جهة أخرى، يبيّن الفوارق؛ عام 2013 مثلاً بلغ عدد قتلى الحوادث 549 بحسب قوى الأمن، فيما وصل العدد إلى 1088 بحسب منظّمة الصحّة (تقرير صادر في أواخر 2015)، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الجرحى، فقد سجّلت قوى الأمن 6137 جريحاً فيما وصل العدد إلى 11552 بحسب الصليب الأحمر، وتعود هذه الفوارق (ربما) الى أن أرقام قوى الأمن تستند إلى الحوادث التي تحقّق فيها فقط.
إنخفاض عدد القتلى وارتفاعه مجدّداً أسوة بسيناريوهات السنوات السابقة "سببه غياب الخطّة الرامية والتخصّص والعلميّة في التعاطي مع ملف السلامة المروريّة"، يؤكّد الخبير في إدارة السلامة المروريّة في LIRSA كامل ابراهيم لـ"الأخبار"، فهناك مشكلة في نظم المعلومات المتبعة لناحية "النقص في المعلومات الموثوق بها والدقيقة، وعدم وجود مرصد متخصّص بنظم معلومات السلامة المروريّة للتنسيق بين مختلف الجهات المعنية وتجميع بياناتها، وتضارب الأرقام بين الجهات الرسميّة والمؤسسات الأهليّة والدوليّة، وعدم اهتمام القطاع الصحيّ بتجميع بيانات خاصّة بحوادث السير وحصرها بقوى الأمن، وعدم الاستفادة من قواعد البيانات لرسم السياسات وتحديد مؤشرات أداء السلامة المروريّة، إضافة إلى افتقار أسباب الحوادث التي تسردها القوى الأمنيّة إلى العلميّة والمنطق". يتابع ابراهيم: "مثلاً لم تسجّل بيانات عام 2015 أي حادث سير بسبب استعمال الهاتف أثناء القيادة أو بسبب "الأعمال البهلوانيّة" أثناء قيادة الدرّاجات الناريّة، فيما أوردت التقارير الصحافيّة أكثر من حالة، كذلك سُجّلت أربعة حوادث بسبب الحُفر وثمانية حوادث فقط بسبب احتساء الكحول".

سُجّل منذ بدء تطبيق القانون نحو نصف مليون محضر غرامة

خلال 16 عاماً، إنخفض عدد قتلى حوادث المرور في لبنان في ثلاث مراحل؛ عام 2005 نتيجة الوضع الأمني والتظاهرات التي رافقت اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري. في عامي 2008 و2011 خلال عهد وزير الداخلية والبلديات الأسبق زياد بارود، الذي أعطى أولويّة لملف السلامة المروريّة. وعام 2015 مع سريان قانون السير الجديد والتشدّد بتطبيقه لناحية استعمال الهاتف ووضع حزام الأمان. وفق ابراهيم "تزيد وتيرة تطبيق القانون بالتفاعل مع الحملات الإعلاميّة التي يتبعها إهتمام شعبي ملحوظ وإنتشار القوى الأمنيّة على الأرض، ما ينعكس بديهياً على انخفاض نسبة الحوادث، لكن النتيجة التي وصلنا إليها خلال عام من بدء سريان القانون الجديد، لا تختلف عن النتيجة التي كانت تسجّل في السنوات التي سبقته، الفارق الوحيد هو ارتفاع عائدات الغرامات".
سُجّل منذ بدء تطبيق القانون نحو نصف مليون محضر غرامة، إذا احتسبنا معدّل الغرامة وهو 100 ألف ليرة لبنانيّة، نصل إلى ما مجموعه 50 مليار ليرة لبنانيّة، لكن بحسب ابراهيم "لم تجرِ الاستفادة منها لتطوير السلامة المروريّة لناحية صيانة الطرق وتعزيز قدرات القوى الأمنية عديداً وعتاداً وتدريباً".
لا تقتصر مشكلة السلامة المروريّة على غياب الخطّة الوطنيّة الشاملة والآليات التنفيذيّة والتخصّص والعلميّة في التعاطي مع الملف. هناك مجموعة من المشكلات التي أعاقت تحسينها، منها: غياب الاهتمام الرسمي والعمل على تأمين التمويل باستثناء إنشاء المجلس الوطني للسلامة المروريّة المخوّل وضع استراتيجيّة للسير وتعيين أمين سرّ له وبدء اجتماعاته (مرتين خلال سنة)، الذي لا تتحقّق أهدافه إلّا بتأليف فريق عمل متخصّص لمساعدته في الإشراف على الإحصاءات الواردة وتحليلها والتفاعل مع نتائجها، إذ أقرّت الحكومة ميزانيّة المجلس لكنّها لم تصرف بعد. يضاف إلى ذلك، غياب التعاون بين الإدارات المعنية، وغياب منهجيّة تحليل قواعد بيانات حوادث المرور (مكان ووقت حدوثها، أسبابها ونتائجها، هوية الضحية حسب الفئات العمريّة) لتحسين إدارة وضع الردارات بصورة رادعة وفعّالة، وعدم فعاليّة آلية تبليغ المحاضر التي تمتدّ أحياناً إلى أكثر من سبعة أشهر من تاريخ ارتكاب المخالفة، تُضاف إليها صعوبة أخرى نتيجة العناوين الخاطئة، إذ إن تفاديها يؤمّن قوّة رادعة لعدم تكرار المخالفة.
كما تبرز مجموعة من البنود القانونيّة غير المطبقة مثل عدم الإلتزام بقوانين وضع الأطفال في كرسي الأمان أو منع نقلهم عبر الدرّاجات الناريّة. عدم إلتزام الشاحنات بالحمولة المحدّدة. عدم القيام باختبار الكحول بصورة دائمة (في جبل لبنان يُقام الاختبار بمعدّل مرتين شهرياً). عدم تفعيل كاميرات المراقبة على الإشارات الضوئيّة لغياب فريق العمل من هيئة إدارة السير، إذ إن عدم استفادتها من أموال الغرامات حال دون ذلك. التفاوت في تطبيق القانون بين المناطق. التفاوت في التعاطي مع القوانين: إهمال إلزاميّة استعمال حزام الأمان والخوذة الواقية مقابل التركيز على غرامات ممنوع الوقوف (تسجيل نحو 65 ألف غرامة "ممنوع الوقوف" منذ بدء تطبيق القانون)... فضلا عن إضاعة فرص إصلاحية لحظها القانون، بدءاً من عدم استحداث وحدة المرور ضمن هيكليّة قوى الأمن الداخلي، نظراً للتغيير الذي ستلحقه في قانون المؤسسة لناحية التصويت في مجلس القيادة وللاختلاف على طائفة المسؤول عنها. مروراً بعدم تفعيل نظام النقاط لما له من تأثيرات على إعادة تأهيل مخالفي قانون السير تحت طائلة سحب رخصة السير منهم، وعدم تطوير مدارس تعليم السوق والامتحان والتشدّد في إعطاء رخص القيادة، وصولاً إلى عدم إدخال "اختصاص المرور" ضمن منهج التعليم التقني والمهني للعام الدراسي 2015- 2016.