صحيح أن منطقتنا كلها، وناسنا بمعظمهم، يهوون كل ما يشبه "نظرية المؤامرة". لكن ما حصل ويحصل في تركيا ليس مجرد نظرية. صارت خيوط المؤامرة شبه مكشوفة، في التحليل والاستنتاج. حتى أن الكتابات الصحافية الأجنبية بدأت تكرس "النظرية" واقعاً ملموساً، ولو من دون أدلة وقرائن وبراهين، حتى الآن. القصة تعود على بدء إلى السؤال: ماذا حصل فعلاً في 15 تموز في تركيا؟ ولماذا؟ وإلى أين من هنا؟

في الوقائع الجامدة، يقول القارئون إن القصة بدأت فعلياً، في شكل مترافق مع اجتماع وزراء الدفاع، الروسي والسوري والإيراني، في عاصمة الأخير في 8 حزيران الماضي. كان الاجتماع إشارة واضحة إلى نهاية "هدنة الشمال" التي كانت واشنطن قد تمكنت من انتزاع موافقة موسكو عليها، في شباط 2016. تلك الهدنة التي أراحت سلطة أنقره وفتحت هامشاً من التباين في الآراء بين حلفاء الميدان الدمشقي، بين موسكو وطهران. يقول القارئون إن إردوغان فهم معنى اجتماع العاصمة الإيرانية، وأدرك أن العودة إلى معركة الشمال السوري باتت وشيكة، وذلك في ظل اختلال واضح في موازين القوى لغير صالحه. فبدأ يعدّ العدة لتبديل في وجهة السير وانعطافة صوب اصطفاف أكثر أماناً. في 26 حزيران أعادت أنقره علاقتها بتل أبيب. خطوة من باب التحوّط الاستباقي لا غير، في محاولة من إردوغان لشراء بوليصة تأمين أميركية بواسطة صهيونية. في اليوم التالي، 27 حزيران، اعتذر من بوتين عن إسقاط الطائرة الروسية فوق الأراضي السورية. فبدا واضحاً أن مقدمة الفيلق النيو عثماني بدأت بالانعطاف.
لم يتأخر الرد. في اليوم التالي مباشرة، هاجم الإرهابيون مطار أتاتورك في اسطنبول. قبلها أيضاً، جاءت تفجيرات تقسيم ومنطقة الجامع الأزرق في توقيت سياسي مماثل. فبدا واضحاً أن الرسائل الدموية الداخلية ستواكب أي تحرك تركي في الساحات الخارجية التي سبق وأبرمت فيها اتفاقات والتزامات معروفة أو مكتومة. وبدا أن هذه الرسائل موقّعة بشكل مباشر من الإرهابيين الإسلاميين في القلب التركي، ومن الكرد المتمردين في الطرف الشرقي. والاثنان على أكثر من علاقة مريبة مع أكثر من طرف شرقي وغربي.
يرى "القارئون" أن إردوغان أدرك فعلياً منذ صدور تلك الإشارات أنه يستحيل عليه تأمين انعطافته من دون حليف واضح. فعمد إلى درس أولوياته، وتحديد إمكاناته. ويعتقدون أن السلطان الجديد حدّد خطراً أول على سلطته في تلك المرحلة: الكرد. وتحديداً في حركتهم على مقلبي الحدود السورية ــــ التركية. بدأ وكأن إردوغان وضع على طاولته السيناريو التالي: إذا عادت معركة الشمال السوري في ظل الموازين الحالية، سيتبدل الوضع على الأرض في حلب. عندها سيقوم كيان كردي ما في شمال سوريا. وسيكون الكرد حلفاء المعسكر المنتصر في تلك المعركة، مما سيحتم ترجمة نصرهم على أرض ذلك الشريط الاستراتيجي من الحسكة حتى عفرين. شريط يقابله ملايين الكرد في المناطق التركية المحاذية. أي حدث كهذا، سيشكل الخطر الأكبر والأول على تركيا دولة وسيادة ووحدة أرض. فتح إردوغان قنوات اتصاله السرية مع موسكو، ناقلاً عبرها شيئاً ما يشبه الصفقة: أعطيكم موقفاً معتدلاً في الحرب السورية. أعطوني ضمانات ضد الكيان الكردي. بعدها بدأت المواقف التركية تسجل في هذا الاتجاه فعلاً. إشارة إلى حل سياسي في سوريا. وحتى نأي بالنفس التركية عن شرط رحيل بشار الأسد. ورغم التوضيح والتصحيح اللاحقين، بدا أن دفعات مسبقة للصفقة النظرية بدأت تسدد.
أدرك الأميركي اللعبة. فسارع إلى تسجيل اعتراضه على مجرياتها. ذهب كيري إلى موسكو معلناً كلاماً فحواه: لن نسمح لكم بحل أحادي في سوريا. نحن شركاء وإلا سنعرقل. لم يتوقف المسار الروسي الجديد. فذهبت واشنطن خطوة أبعد: محاولة انقلاب عسكري في تركيا!
قد تمضي عقود طويلة قبل أن نقرأ في المحفوظات الأميركية المنزوعة عنها سريتها حقيقة تورط واشنطن في ذلك الانقلاب. لكن الأداء الإعلامي كان واضحاً. من العاصمة الأميركية وصولاً إلى بعض العواصم العربية، كان الصمت أقرب إلى تأييد الخطوة، أو على الأقل تأكيد نجاحها المبكر. وقد تتكتم التحقيقات التركية حول أهداف الانقلابيين، إذا ما بقي أحد منهم ليخبر. لكن الكلام غزير عن مشاريع كانت معدة للعسكريتاريا الجديدة للتضييق على الحركة العسكرية الروسية بين المضيقين، وبالتالي تعقيد مهمة عملية السوخوي في سوريا.
من أجهض الانقلاب على إردوغان؟ السلطان الجديد لم يشر قط إلى أي دور استخباري لموسكو في تقديم أي دعم معلوماتي أو تسريب أي إنذار مبكر. اكتفى بالقول إنه عرف بالمؤامرة من صهره الذي كان يمضي معه عطلته في مرمريس. لكن الصهر المقصود لم يكن غير بيرات آلبيراك. وهو للمصادفة وزير الطاقة في حكومته. أي الوزير المفترض أن يكون، بحكم حقيبته ووظيفته، على تماس دائم مع السلطات الروسية. حيث ملفات الغاز شائكة متراكمة على صعيد الحوض الشرقي للمتوسط برمته. وهو الوزير نفسه، الذي كان الإعلام الروسي بالذات، قد رجح تعيينه رئيساً للحكومة خلفاً لداود أوغلو مطلع أيار الماضي!
هل اكتملت حلقة نظرية المؤامرة؟ تظل رغم ذلك نظرية، حتى تنتصر المؤامرة فتعلن عن نفسها، أو تنتحر فيصدر نعيها في كتب التاريخ. يبقى للحاضر سؤال أساسي: أين سيقف إردوغان الآن بين موسكو وواشنطن، في أوروبا، والأطلسي، وخصوصاً في حلب وما بعد حلب؟