«مخيم اللاجئين: بيتنا الصحراوي» هو عنوان وثائقي جديد بثّته القناة الثانية في «هيئة الإذاعة البريطانية» على حلقتين بدءاً من 21 تموز (يوليو) الماضي، ويغطي الحياة اليومية للاجئين في مخيم الزعتري للاجئين السوريين في شمال الأردن. يقدّم البرنامج صورة مبسترة، مجتزأة، مغرقة في السذاجة المقصودة عن واقع الحال في المخيّم، ويتجاهل تماماً حقائق الواقع الاجتماعي المحكوم بالعصابات والتفاوت الطبقي والجريمة والمخدرات وتجارة الرقيق الأبيض.

كلما أنتجت «بي. بي. سي» وثائقياً عن الشرق الأوسط، «تحسّست مسدّسي». فهذه المؤسسة العريقة التي تنتج وتعرض وتمتلك حقوق بث أكبر عدد من الأعمال الوثائقية في العالم، هي في النهاية ذراع الإمبراطورية ــ التي غربت عنها الشمس ــ وسلاحها الإعلامي الثقيل، الموظّف منذ تأسيسه لخدمة أيديولوجيا النخبة البريطانية الحاكمة. لا يختلف اثنان على أن كل ما تنتجه الـ «بي. بي. سي» حتى في مجال الطبيعة والعلوم، ينبغي أن يؤخذ دائماً بأسلوب نقدي، بوصفه جزءاً لا يتجزّأ من ذات الخطاب الأيديولوجي لتلك النخبة. إذن كيف والأمر يتعلق بقضية سياسية من الطراز الأول، تتعلق بالشرق الأوسط بالذات، حيث المملكة المتحدة متورطة حتى أذينها في المجهود الحربي لإسقاط النظام السوري؟
لم يخيّب الوثائقي الجديد توقعاتنا أبداً. فهذا المخيم الذي أنشأته السلطات الأردنية على بعد كيلومترات قليلة من الحدود السورية، ليستقبل اللاجئين من جنوب سوريا يصور في الوثائقي على أنّه نموذج للحياة البسيطة السعيدة حيث مجموعة من اللاجئين الظرفاء ينجحون في ظل ظروف صعبة في التكيّف وتحويل المكان الصحراوي القاسي إلى جنة صغيرة ــ «لأن الحياة يجب أن تستمر». هنا في «الزعتري» ــ بحسب الوثائقي دائماً ــ البنات يتزوجن من شباب سوريين مفعمين بالأمل، ويرتدين فساتين سهرة فاقعة الألوان يشترينها بالنقود من أجل حفلة ليلة العرس، والصغيرات يتمشين بهدوء إلى المدرسة وهن يحملن حقائب مزينة بنخلة آل سعود، فيما الأطفال يقضون وقتهم في الورش لأنّهم يحلمون بأن يفتحوا مشاريعهم الخاصة بعد قليل، وكأنّهم «بيل غيتس» صغار. والرجال يعملون بجد لإنتاج الخبز في مصنع آلي متطوّر، والطبيبة الأردنية تستقبل الجرحى ــ الأطفال دوماً ــ وتبلسم جراحهم، والجميع يبتسم ويعمل بجد ويترحّم على ذكريات البلد قبل الحرب لكنه يحلم بغد أفضل. وفق الوثائقي، في «الزعتري» محلات تجارية يتوفر فيها كل شيء تقريباً، والسلطات الرسمية ممثلة بسيارات إسعاف ومركز صحي لا أكثر. لا أحد يقصّر مع اللاجئين، فالشارع الرئيسي للمخيم مسمى باسم السعودية، والكرافانات التي صارت مساكن اللاجئين مزيّنة بالعلم الكويتي، والأطباء يعملون مع منظمة فرنسية، وإدارة المخيّم للأمم متحدة، والخبز تقدمة «منظمة الغذاء العالمي»، وتطبيقات التكنولوجيا الحديثة التي تحوّل حياة اللاجئين إلى منظومة شديدة التقدم والإبهار أميركية وهكذا.

صوّرت المكان وكأنّه مخيّم كشّاف صيفي

بالطبع، فإنّ هذه الصورة المبسترة السطحية للحياة في معزل بشري لا إنساني، هي سرد منتقى بعناية لصور محدودة مجتزأة من أوجه الحياة اليومية في المخيم، مع تجاهل فاضح ومقصود وسيّئ النيّة للصور الأكثر تعبيراً عن النموذج الكلي للعيش المتسم بكثير من البؤس يقدمه «أصدقاء» سوريا للاجئين المغرر بهم والذين استغلوا بأبشع الطرق لخدمة مشاريع الهيمنة ومحاولات الإطاحة بالأنظمة في المنطقة.
الواقع أنّ المخيم كان، ومنذ اليوم الأوّل، متنفساً للجماعات الإسلامية الإرهابية التي ابتليت بها سوريا لست سنين، فهو مكان تُرسل إليه عائلات الإرهابيين بعيداً عن القتال، ويتم فيه استقبال جرحى «جبهة النصرة» و«جيش اليرموك وغيرهما وعلاجهم وتأهيلهم وربما إعادتهم للقتال مرة أخرى وهو مثّل منذ اليوم الأول نقطة ضغط على السلطات السورية في المجتمع الدولي بوصفها تدفع بمواطنيها للهجرة واللجوء من خلال العنف، رغم أنّ الجميع يعرفون أنّ الطريق بين البلدين مفتوح للاجئين ــ المزعومين والحقيقيين ــ على مصراعيه للخروج والعودة في أي وقت يشاؤون تقريباً، وفق الترتيبات الأمنية بين السلطات الأمنية والجماعات المسلحة.
مخيّم الزعتري الذي أصبح خلال سنوات قليلة أكبر مخيمات اللجوء في الشرق الأوسط ــ والثاني عالمياً ــ يضم أعداداً دوّارة من اللاجئين تراوح بين 80 و120 ألفاً، يعيش سكانه ــ الذين بينهم كتلة كبيرة من الفقراء والمهمشين الذين هم رهائن يتلاعب بهم المجتمع الدولي ــ في ظروف شديدة القسوة بسبب من الظروف المناخية الصعبة في محيط المخيّم الصحراوي. ويمنح اللاجئون مساعدات عينية لكنها غير كافية لا بل تتجه الأمم المتحدة لتخفيضها. ورغم أنّ بعض ملامح البنية التحتية موجودة في المخيم، فإنّها تقصر عن تقديم ظروف لائقة بالبشر.
لكن الأهم من ذلك كله، أنّ الوثائقي الذي يدّعي تغطية الحياة اليومية للاجئين من الناحية الإنسانية المحضة تجاوز المأساة الاجتماعية التي تحول إليها هذا المعزل. فقد تحدّثت منظمات المجتمع المدني وتقارير الصحافيين عن غابة اجتماعية «القوي فيها يأكل الضعيف». إذ ما لبثت الفوضى الأمنية في المخيم أن أفرزت زعماء حواري محليين أشبه بقبضايات المافيا، وهم خلقوا لهم وسط الفقراء مناطق نفوذ من خلال المال أو المخدرات أو النفوذ المستمد من الجانب الآخر على الحدود أو حتى من خلال التعامل مع العصابات المحليّة في الأردن.
في هذه الأجواء، تحوّل المخيم إلى ما يشبه حقل جرائم وقهر يدفع ثمنه الأقل حظاً لا سيّما النساء والبنات صغيرات السن. وهناك تقارير موثقة عدّة عن المتاجرة بالمساعدات، وتسرّب الأطفال من التعليم، وتجارة الرقيق الأبيض، وقصص زواج الخليجيين من قاصرات وإن كان يتم التعمية عليها ــ ولا يتم التطرّق إليها مطلقاً في الوثائقي ذي الساعتين ــ لأنّها لا تخدم أغراض إنشاء المخيّم السياسية. ومن المعروف أنّ سلطات الأمن تتجنب الدخول المباشر إلى المخيم وتكتفي بإحكام السيطرة على حدوده الخارجية لمنع تسلسل اللاجئين إلى المدن الأردنية، وهي تتعاون على نحو وثيق مع ممثلي المجتمع المحلي ــ من زعماء الحواري ــ لضمان عدم انفلات الأوضاع الأمنية داخل المخيم. وقد صدرت دعوات عدّة من مثقفين وحقوقيين أردنيين طالبوا فيها بإغلاق مخيم الزعتري، ووصفوه بأنّه «وصمة عار على جبين الأردن». كما أنّ «اتحاد المرأة الأردنية» أطلق «تحالف نعم لإغلاق مخيم الزعتري»، داعياً إلى «إيجاد بدائل أكثر إنسانية تليق بكرامة السوريين»...
البرنامج بالطبع موجّه أساساً إلى الجمهور البريطاني، وهو بالتالي محاولة فجّة لاستغفال هذا الجمهور المسكين، بإخفاء الوجه البشع للحرب على سوريا، وشيطنة غير مباشرة للنظام «الظالم الذي ينغّص عيش مجموعة اللاجئين اللطفاء» في مخيمهم الأشبه بمخيم كشافة صيفي، عن طريق تجميل الذي لا يجمّل. لاجئو «الزعتري» البؤساء الذين تاجر بهم الجميع، تحوّلوا أيضاً هذه المرّة على يد الـ «بي. بي. سي» في هذا الوثائقي السمج، إلى كومبارس رخيص في فيلم بريطاني طويل.