من قدر له قراءة «مسك الكفاية» (الدار العربية للعلوم ناشرون) للروائي الفلسطيني باسم خندقجي (1983)، سيلاحظ مدى الاشتغال على البناء الفني واللغة الروائية. إنّنا أمام عمل استثنائي محكم لولا بعض الملاحظات والمآخذ التي تكاد لا تخلو من أي نص أدبي. مع العلم أن الروائي أسير لدى الاحتلال الإسرائيلي ومحكوم عليه بثلاثة مؤبدات، بالتالي يمكننا أن نتخيل مدى الصعوبات والتحديات التي واجهها أثناء الكتابة، من تجهيز المادة وجمع المعلومات، بخاصة أنها رواية تاريخية، وبحاجة إلى كمية من المصادر والمراجع، بهدف التوثيق وإعادة صياغة المادة التاريخية في قالب فني، إلى مرحلة تهريب الرواية وإخراجها من السجن عبر كبسولات، ثم كتابة المادة على الحاسوب وتدقيقها، قبل أن تصل إلينا في كتاب ورقي. من هنا، ورغم كل هذه التحديات التي تجاوزها خندقجي كحال أي مبدع حقيقي، ينشغل في مشروعه الأدبي، سنحاول قراءة العمل بموضوعية، وبأدوات علمية، بعيداً عن الاحتفاء الذي يستحقه على كل حال.

في «مسك الكفاية... سيرة سيدة الظلال الحرة»، يضيء لنا خندقجي أحداثاً مهمة ولحظات متأزمة من التاريخ العربي أثناء الفترة العباسية حيث الفتن والمؤامرات في سبيل الحكم والسلطان. لقد اختار الروائي فترة زمنية شائكة لينبت فيها حكايته. اختيار العنوان كان ذكيّاً، إذ شكّل مدخلاً مدهشاً للقارئ، خاصّة، في العنوان الفرعي. لذلك، كان العنوان عامل جذب للقارئ، الذي قد يستوحي من عنوان النص أنه داخل إلى عوالم موغلة في القدم والغرائبية، والمسك هو عطر من مصدر حيواني، وكان من العطور المتداولة عند العرب، وشاعت المفردة في الاستعمال اللغويّ، ووردت في القرآن: «خِتَامُهُ مِسْك» سورة المطفِّفين، آية (26). وفي الحديث النبوي: «لَخَلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المِسْك».[4] لعلّ الخندقجي استقى العنوان من الآية القرآنية، فالقرآن الكريم كان إحدى الدعائم الأساسية التي ارتكز إليها في العمل، وهذا ما أشار إليه في تعقيبه الأدبي والتاريخي. أما مفردة كفاية فهي مصدر من الفعل كفى، ومعناه حسب المعجم اللغوي، هو ما يلزم بالضبط على قدر الحاجة إلى حد يفي بالغرض ويُغني عن غيره. لقد أضاء العنوان الفرعي على الشخصية الرئيسة في العمل وهي الخيزران والدة هارون الرشيد، التي سُبيت صغيرة وبيعت جارية، إلى أن وصلت إلى قصر الخلفاء العباسيين، وأصبحت محظية المهدي خليفة الدولة العباسية. والظلال الحرة هي إحالة إلى دورها المركزي في التأثير، لكن مواربة وخفية، إذ أنها أصبحت توجّه سياسات الحكم وهي في الظل، والشاعر من خلال هذا التركيب اللغوي الشاعري، استطاع تحميل العنوان العديد من المعاني، التي لا يمكن لمفردة واحدة أن تستوعبها.
في 344 صفحة، يكشف خندقجي عمّا يمكن أن نسميه النهج الكتابي أو روح الرواية في التوطئة، حيث يقول: «لم أكتب سوى ما انتابني من جنون وذهول وحزن، أثناء تعثري باسمها الغامض في سفر تاريخي لم يلطخها إلا بحبر ذكوريته العمياء الطاغية». بهذه التوطئة الشاعرية، يقول لنا إنه لا يهدف من خلال العمل إلى تقديم مادة تاريخية تتخللها المتعة والتشويق، بغية دفع القارئ إلى تحمل ثقل التاريخ والمواصلة في القراءة، وإنما يكتب ما انتابه من مشاعر إعجاب وذهول بهذه الشخصية النسائية، التي اخترقت ذكورية التاريخ لتروي بطولتها هي، المرأة مسلوبة الحرية، الجارية التي أصبحت زوجة الخليفة وأم المؤمنين. هذه التقنية في افتتاح النص بتوطئة للقارئ بهدف تسهيل استيعابه، وإبعاده عن أي سوء فهم، هي طريقة قديمة ولم تعد مستساغة في العمل الأدبي، حيث تدل القارئ إلى كيفية التعامل وتلقي العمل، بالتالي استخدام سطوة المؤلف من أجل توجيه القرّاء إلى فهم معين، وطريقة معينة في قراءة النص واستيعابه.

إضاءة على تفكير القبيلة ككيان اجتماعي مغلق على نفسه، أمام المراكز الحضرية في العراق وبلاد الشام

في الحقيقة، أن الرواية هي نوع أدبي غير مكتمل، بمعنى أنها ما زالت في طور التشكُّل. يقول روجي كايلو: «ليس للرواية قواعد، فكل شيء مسموح، وليس هناك أي فن بوطيقي، يذكرها أو يسن لها قوانينها، إنها تنمو كعشب متوحش في أرض بوار».
يرجع بنا خندقجي إلى بداية ظهور الرواية في بدايات القرن العشرين، ونشوب الخلاف بين الأدباء والدارسين حول ميلاد هذا الفن الأدبي، حيث انقسموا إلى قسمين، فهناك من قال إن الرواية هي أدب أوروبي خالص ووفد إلى الوطن العربي، وهناك من قال إن للرواية أصولاً في التراث العربي يعود إلى مقامات الحريري والهمذاني، وكتاب «ألف ليلة وليلة». في هذه الرواية، نلاحظ لغة شاعرية وتراثية متأتية من ثقافة الروائي الشعرية، خاصة الشعر العربي القديم خلال عصر ما قبل الإسلام، أو أثناء العصرين الأموي والعباسي، إضافة إلى النثر العربي في بواطن كتب التراث والسير والأحاديث النبوية، وكتب الأدب مثل «العقد الفريد» و«ألف ليلة وليلة»، إذ تذهب بنا اللغة إلى عالم موغل في القدم والغرابة وأجواء الصحراء وساكنيها من العرب. كان خندقجي موفقاً في استخدام اللغة الشاعرية التي جاءت متناسقة مع مضمون الرواية، الذي احتاج إلى هذا المستوى اللغوي والبلاغي والدلالي، واستخدام تقنيات الشعر وعوالمه لتنقل القارئ إلى أجواء العمل، عبر لغة مشحونة بالدلالات، ومحمّلة بالطاقات الإيقاعية، والوصف البديع. لكن، ينبغي أن نشير هنا إلى أن الروائي تماهى مع اللغة وغوايتها، فكان العمل يتسرّب من بين يديه، قبل أن يسترده بمهارته وذكائه، فاللغة غواية خاصة لشاعر يكتب رواية، فكثرة المعطوفات والمفردات والأفعال تدخل القارئ في حالة تشتت وضياع. بالتالي، أستطيع أن أدّعي أن الروائي توفق في اختيار اللغة المناسبة للنص، فجاءت شاعرية وبلاغية ومشحونة بالموسيقى والمعاني، لكنها شطحت في بعض الأحيان خارجة عن سياقاتها السردية.
لقد استطاعت الرواية اجتياز العتبة الأولى في الأدب ألا وهي المتعة. منذ السطور الأولى، تشد القارئ نحو عوالمها الموغلة في الدهشة وفتنة السؤال عبر سرد شاعري ممتع، دافعة بالقارئ إلى تقليب الصفحات حتى نهاية الكتاب. ثم تأتي عبقرية الروائي في عدم كتابة التاريخ أو إعادة صياغة التاريخ في قالب أدبي، وإنما جعل هذا التاريخ ينطق بالحقيقة بعيداً عن سطوة السلاطين والمؤرخين، الذي كان يكتبه المنتصر الذكوري. في هذا العمل، يعطي خندقجي الفرصة للشخصيات الهامشية، أو التي كانت تعيش في الظل، لأن تروي حكايتها من دون تدخل وتلاعب السلطتين السياسية والدينية، فنجد الجارية الخيزران هي الشخصية الرئيسة. المرأة هي البطل في عمل يتناول حقبة تاريخية، شائكة ومثيرة للجدل والخصومات، حيث الصراع على السلطة والحكم عبر إراقة الدماء وإشعال الفتن، مستغلين كل الوسائل التي قد توصلهم إلى سدة الحكم من الدين والأعراف الاجتماعية واسترقاق الناس واستعبادهم بالترهيب والترغيب. يحيلنا خندقجي في نصه إلى تفكير القبيلة ككيان اجتماعي مغلق على نفسه، أمام المراكز الحضرية في العراق وبلاد الشام، وتغير القيم وأنماط الحياة فيها بسبب دخول العناصر الأجنبية، واختلاطهم مع العرب خاصة الفرس. لم يكتفِ بكتابة رواية ممتعة، هدفها التشويق وإثارة إعجاب القارئ، وإنما كانت محملة بأبعاد فكرية وأيديولوجية، وقيم أراد التأكيد عليها. نلاحظ تركيزه على قضية المرأة ومعاناتها في مجتمع ذكوري، حيث تُسترق وتستعبد وتباع في سوق النخاسة. من هنا يذهب بنا إلى التوحش والنظرة الجنسية إلى جسد المرأة، كونه محض سلعة ومخلوقاً من أجل متعة الرجل فقط، فالمرأة تُسبى من عائلتها الفقيرة إثر غزوة، وتصبح ضمن هدايا الأمراء والخلفاء، لتنتهي إلى جناح الحريم في قصورهم منشغلة بمهام تنحصر في المتعة والإنجاب. وهذا الفكر القديم المتجدد والنظرة الدونية إزاء جسد المرأة وكيانها، نلاحظه في أيامنا عبر تيارات سياسية وفكرية تحاول حبس المرأة في البيت، وحصر دورها في تربية الأولاد وإمتاع الزوج.
يعتبر محور السلطة وما يُحاك في سبيلها من مؤامرات وخيانات، ضمن ثيمات الرواية التي تطرق لها الروائي. ومن هنا يقول لنا إن الصراع لم يكن لأسباب دينية، وإنما خلافات على الحكم بحجج دينية واهية، فالغاية كانت السلطان، ولم يكن الدين سوى وسيلة استغلها الخلفاء، في ترهيب الناس ودفعهم نحو البيعة، وإضافة الشرعية إلى حكمهم. من ناحية أخرى، هناك الحركات الثورية التي تمردت على الظلم والطغيان، وطالبت بتحقيق العدل، وهذا ما يحيلنا إلى محور آخر وثيمة مهمة أضاء عليها خندقجي، ويمكن كتابتها بالخط العريض لأنها تمس حياته ومعاناته. إنها الحرية، الحرية التي لا طعم للحياة من دونها، وتتجلى هذه القيمة في الخيزران التي حاربت وسعت للتخلص من عبوديتها، بالثورة ضد السبي والظلم الذي وقع عليها، كونها كانت جارية ضمن مئات الجواري في قصر الخليفة، حتى أُعتقت ونالت حريتها، بل أصبح لها الشأن كله في الخلافة، فأصبحت تدير دفة الحكم، وترسم سياساته.
ما يستحق الاحتفاء في هذا العمل، هو الالتفات نحو عوالم جديدة بعيداً عن موضوع القضية الفلسطينية وعذابات السجن، رغم أن خندقجي يكتوي بناره صباح مساء، محروماً من حريته ولقاء أهله وأحبائه، إلا أنه كان شجاعاً في الذهاب نحو اكتشاف لغته وأدواته الأدبية، في تجارب جريئة، بحاجة إلى شغل وبحث تاريخي واستعداد أدبي.
هذه الرواية تسير بنا إلى فهم العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة، الجواري والغلمان في عالم الخلفاء، ضمن الحياة اليومية، وتضيء على علاقة الحاكم بالدين، عبر سرد شيق ومشاهد في زمن حضاري جميل رغم الشوائب والصراعات، ليرينا كيف تصبح السبيّة الجارية سيدة الظلال الحرة، بالعزيمة والإرادة.

* كاتب وروائي فلسطيني