ماذا يحيك فؤاد السنيورة؟ سؤال طرحه معظم المشاركين في طاولة الحوار، على خلفية نقاشات اليوم الأول من خلوتها الثلاثية، وبعد المؤدّى الذي بلغته نقاشات اليوم الثاني.

بدأت الحبكة منذ الجلسة الأخيرة لطاولة الحوار في صيغتها ما قبل "الخلوية" في حزيران الماضي. يومها زلّ لسان أحد المحاورين الشباب، أثناء دفاعه عن مشروعه لقانون انتخابات جديد. فتحمس مزايداً، حتى أعلن استعداده للقبول بإلغاء طائفية المجلس النيابي، في مقابل صيغته المقترحة لقانون الانتخاب. تلقّف السنيورة الزحطة، وراكم عليها. سجّلها في محضر ذاكرته والنقاشات. في اليوم الأول من خلوة الحوار أمس الأول، استعاد رئيس كتلة المستقبل النيابية الفكرة. قدّمها من زاوية النقاش حول فلسفة قانون الانتخاب. كان المشهد شبه مسدود بين الاقتراحات المتعددة. لا النسبية مقبولة من الفريق الأزرق. ولا الاقتراع الأكثري قابل للتمديد من قبل خصومه. ولا المختلط قادر على الرسوّ على صيغة واحدة يمكن أن تشكّل توافقاً أو إجماعاً. عندها رمى السنيورة قشرته. بجدية وتفكر عميقين، قال الرجل لمحاوريه: أنا أعتقد أننا لن نقدر على تهدئة النفوس في موضوع قانون انتخاب المجلس النيابي، إلا إذا ذهبنا إلى إنشاء مجلس للشيوخ.
هكذا رمى السنيورة صنارته، تركها يوماً كاملاً، ثم عاد أمس بحماس واندفاع لالتقاط ما علق بها. في الشكل والظاهر، ذهب النقاش إلى مقاربة جذرية: مجلس شيوخ ينتخب كل مذهب أعضاءه فيه. يقوم في شكل متزامن مع مجلس نيابي قائم على أساس المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، يُنتخب وفق قانون يجعل من لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية. ومع هذه التسوية الأساسية، تتم مناقشة قضايا "طائفية" اخرى لا تقل جوهرية، ابرزها اللامركزية الموسعة.
لكن ثورة السنيورة المستجدّة لا بد أن تطرح التساؤلات والملاحظات التالية: أولاً، لا شك أن تطويراً كهذا للنظام، يعني بشكل ما، ذهاباً نحو صيغة جديدة لاتفاق الطائف. فكيف يمكن لفريق بنى خطابه السياسي منذ عقدين، على التمسك بالواقع التطبيقي الذي انتهى إليه الطائف، أن يدعو فجأة إلى تبديله؟ ثانياً، إن طرحاً كهذا يقتضي حكماً إقرار تعديل دستوري، ولو محدود، أقله لجهة تعديل المادة 22 من الدستور الحالي. فضلاً عن احتمال الحاجة إلى إضافة مواد أخرى متعلقة بكيانية مجلس الشيوخ المزمع إنشاؤه. وبالتالي، كيف لطاولة الحوار الحالية، وللوضع السياسي اللبناني الراهن برمّته، أن يتمكنا من التوافق الآن على تعديل للدستور؟ علماً أن تسوية الدوحة التي أشار إليها الرئيس بري، كنموذج للوصول إلى تسوية لبنانية راهنة وملحّة للأزمة الحالية، تجنّبت في حينها أي بحث في أي حرف يحتاج إلى تعديل دستوري. مع الإشارة إلى أن تسوية الدوحة كانت قد حازت على غطاء دولي ورعاية عربية مباشرة، وكانت تطبخ على نار أيار 2008 وهاجس دمائه. ومع ذلك أدرك عرّابو الدوحة استحالة المسّ بالدستور يومها، فكيف بخطوة كهذه في الوضع الراهن؟
ثالثاً، لا يغيب عن بال أي سياسي أو قانوني أو دستوري، أن العمل الجدي لإنجاز القوانين اللازمة لإقرار مجلس شيوخ، ولا مركزية، وقانون انتخابي على أساس النسبية للبنان دائرة واحدة، قد يحتاج إلى وقت طويل جداً من البحث والجهد والانكباب على نصوص ودراسات وصيغ. فضلاً عن الحاجة إلى كمّ مقابل من المراسيم التنظيمية والقوانين التطبيقية. وهو ما يعني فعلياً ورشة كاملة. بدليل أن البت بين مشروعين متشابهين حول قانون انتخابي مختلط، قد استلزم أكثر من سنتين. فكيف بورشة كاملة كتلك؟!
حيال تلك الملاحظات، أظهر المتحاورون كل جدية في التعامل مع طرح السنيورة المستجدّ. لكن معظمهم حفظ في ذهنه احتمالات المطبّات التي يكتنفها. وأبرزها التالي:
أولاً، أن يكون الهدف من الطرح هو محاولة اللعب على وتر درزي ــــ مسيحي. فإثارة مسألة قيام مجلس الشيوخ، قد تكون مناورة لمقاربة جديدة من قبل السنيورة للموقف الدرزي، بعدما بات هذا الموقف شبه موحد رئاسياً، ولو بنسب مختلفة، خلف حل رئاسي ميثاقي. فضلاً عن محاولة إحياء حساسية درزية ــــ أرثوذكسية تحديداً، لجهة حيازة جلد دب جديد، لم يتم صيده بعد.
ثانياً، محاولة السنيورة اللعب على وتر حساسية شيعية مقابلة. انطلاقاً من اعتقاد البعض أن قيام مجلس شيوخ سيؤدي عملياً إلى الأكل من الصحن الشيعي. على خلفية أن قيام مجلس تشريعي ثان، أياً كانت صيغته وصلاحياته، سيؤدي إلى مشاركة جديدة في السلطة التشريعية، وبالتالي إضعاف الرئاسة الثانية.
ثالثاً، إغراق الاستحقاق الرئاسي بملفات لا قدرة له على حملها في شكل متزامن، ولا مجال لضمّها إلى آلية إنجازه. بما يؤدي عملياً إلى دفن هذا الاستحقاق، خصوصاً بعد الكلام الكثير عن إحراز سلسلة تقدمات على مساره. خصوصاً بين "عريسيه" المفترضين: ميشال عون وسعد الحريري. وهما العريسان اللذان يكمن لهما فؤاد السنيورة بشكل علني ظاهر. بدليل ما يحصل على طاولة الحوار، وما حصل على طاولة كتلة المستقبل في اجتماعها الأخير يوم الاثنين الماضي، عشية انطلاق خلوة الحوار. هكذا يكون مشروع مجلس الشيوخ المقترح، مجرد حجر يضرب به السنيورة الرئيس و"الشيخ" معاً.
مجلس شيوخ الآن؟ قد تكون الخطوة مناورة كبيرة، أو حلاً فعلياً. لكن أفضل سبيل لكشفها، ملاحقة صاحبها حتى الباب الدستوري الجديد. لتبيان ما إذا كان باباً من أبواب جهنم الفوضى، أو باب طرح تأسيسي جديد، فتحه من يحترف التأكيد ليل نهار على رفضه أي حل تأسيسي، كما أي بند حواري غير انتخاب الرئيس!