لا يملك سياسيون اي جواب عن سؤال: لماذا يدفع المجتمع الدولي لاجراء انتخابات نيابية، بعدما «اجبر» لبنان على اجراء انتخابات بلدية، ولا يدفع لانتخاب رئيس للجمهورية؟ وهل بات الفراغ الرئاسي من باب التسليم بالامر الواقع، فلا يقدم اي طرف دولي على حث المسؤولين اللبنانيين واللاعبين الاقليميين على اجراء انتخابات رئاسية؟

يدور الحوار الداخلي في الاوساط السياسية حول استمرار المد والجزر في شأن اجراء الاستحقاق الرئاسي منذ اسابيع قليلة. ويقدم الفريقان المدافعان عن موقفهما الحجج لبرهان جدية ما يذهبان اليه من توقعات. الذاهبون في منحى تفاؤلي بقرب الاستحقاق ــــ وهم بطبيعة الحال ينتمون الى تكتل التغيير والاصلاح ــــ يستندون الى ان الجو الذي اوحى بعد زيارة النائب سليمان فرنجيه الى عين التينة بأن حظوظ العماد ميشال عون تراجعت مجدداً ليس في محله. لا بل ان المعطيات الداخلية، من حوارات وتفاهمات بحدها الادنى بين عون وحلفائه من جهة، وما يصل الى التكتل في ما يتعلق بالنقاشات في باريس والرياض وحتى في تيار المستقبل حول تقدم خيار عون في النقاشات واجراء الاستحقاق الرئاسي، صار جوا ايجابيا. وعطفا على التطورات السورية ومعركة حلب وتغير لهجة بعض المجتمع الدولي تجاه النظام السوري، بعد انفلاش خطر تنظيم «داعش»، فإن رؤية حزب الله، وعون مرشحه الاوحد، تتقدم. وفي نهاية المطاف سيكون الحزب امام استحقاق استثمار نجاحه بالدفع نحو تفاهم مع القوى السياسية لتزكية مرشحه. اما بالنسبة الى موقف رئيس المجلس النيابي، فالحوارات معه سالكة، والتكتل، حتى الآن، يسير في اجواء تهدئة ولا يصعّد مواقفه، بل يؤمّن اوسع مروحة تفاهمات حول الملفات المطروحة، ما يجب ان يفضي في نهاية المطاف الى ترجمة عملية واضحة في الشأن الرئاسي.

سمع مسؤولون كلاماً واضحاً من الديبلوماسيين بشأن ضرورة اجراء الانتخابات

اما من يستبعدون اي حلحلة من هذا القبيل، فيستندون، ايضاً، الى موقف السعودية، مؤكدين انها لا تزال على موقفها الرافض لعون، وان الحوارات التي حصلت حول خيار عون رئيسا، داخل تيار المستقبل، حسمها الرئيس سعد الحريري بالطلب من بعض نوابه الرد علنا على الجو التفاؤلي بقرب انتخاب عون، وتأكيد ان «المستقبل» لا يزال عند موقفه من ترشيح فرنجيه. وحجة هؤلاء، ايضاً، ان رئيس المجلس النيابي نبيه بري لا يزال عند موقفه المعارض لوصول عون، ولو انه يجري معه حاليا تفاهمات في بعض القضايا الشائكة كملف النفط، لكنها ملفات تبقى بطبيعة الحال محدودة بارتداداتها، ولا تترك آثارها على ملف الرئاسة.
وفق ذلك، وفي انتظار رجحان كفة احد الفريقين، لا يبقى امامهما الا الانصراف مجددا الى قانون الانتخاب، لانتاج مجلس نيابي جديد. من هنا جاءت الاندفاعة حول القانون في الاسابيع الاخيرة، مع تصاعد وتيرة الحركة الديبلوماسية الاوروبية والاممية والاميركية الجديدة، في اتجاه مختلف الدوائر اللبنانية، للتأكيد ضرورة اجراء الانتخابات النيابية في موعدها، واحترام تداول السلطة، وعدم اللجوء الى تمديد ثالث للمجلس. وقد سمع عدد من المسؤولين كلاماً واضحاً من الديبلوماسيين حول ضرورة اجراء الانتخابات. وجاءت هذه الحركة، لتواكب العمل في اللجان النيابية المشتركة حول القانون، ومن ثم طرحه على طاولة الحوار. لكن طرح موضوع مجلس الشيوخ اثار ريبة بعض القوى السياسية، ليس من باب رفضه بالمطلق، وهو احد بنود اتفاق الطائف، انما لتوقيته والمغزى منه حاليا فيما توجد بنود اصلاحية اخرى اكثر الحاحا منه، وتوجد بنود اخرى عالقة، لا تزال تحتاج الى ان توضع موضع التنفيذ. والسؤال المطروح ايضاً: كيف يمكن الدخول اليوم في متاهة اللجان ودرس مجلس الشيوخ وتفاصيله، في وقت يتعذر على هذه القوى نفسها الاتفاق على قانون انتخابي برغم البحث المضني فيه منذ اتفاق الدوحة وتعدد اللجان والاجتماعات والمشاريع، وبرغم ان الانتخابات باتت قاب قوسين. علما ان بعض السياسيين من قوى 14 آذار لا يعفون الرئيس بري من مسؤولية فتح هذا الجدل العقيم. وازاء محاولة تضييع الحوار ببند مجلس الشيوخ، تحدثت معلومات ان التيار الوطني الحر كان يعبّر في الحوار عن موقف مشترك مع القوات اللبنانية الغائبة عن الطاولة، حول مجلس الشيوخ، وضرورة تغليب الدفع نحو اولوية انتخاب رئيس جديد للجمهورية، لأن البحث في هذه الاصلاحات يجب ان يجري في حضور رئيس الجمهورية، وليس في ظل الفراغ الرئاسي، ولان القوى المسيحية لا تزال تطالب باولوية انتخاب رئيس على اي موضوع آخر، ولو كان بحجم تطبيق اصلاحات الطائف.
من هنا، وبرغم دوران اللجان المشتركة في حلقة مفرغة حول قانون الانتخاب، الا ان الكتل السياسية المعنية ستستعيد الاسبوع المقبل حركتها واتصالاتها الموسعة، لانطلاقة حثيثة نحو البحث في قانون الانتخاب. ويمثّل هذا الامر بندا اساسيا على جدول الحوارات الدائمة بين القوى المسيحية كافة، التي تصر على اجراء الانتخابات، من دون ان تنجح حتى الساعة في تظهير قواسم مشتركة واضحة حول هوية القانون الذي ستتفق عليه.