مرة جديدة تتمظهر الحرب الباردة في الرياضة. لم ينسَ الأولمبيون بعد تلك اللوحة البشرية للدب «ميتشا»، رمز أولمبياد موسكو سنة 1980، وهو يذرف تلك الدمعة في احتفال ختام الحدث الرياض العالمي الأهم، أسفاً على مقاطعة واشنطن للحدث الذي استضافه نظام بريجنيف. كان الاتحاد السوفياتي يومها قد دخل بدباباته إلى كابول، استباقاً منه لاكتمال الطوق الإسلامي شرقاً على دولة لينين. وكان حذره مفهوماً. فقبل أشهر قليلة كانت الثورة الخمينية قد سيطرت على دولة الشاه التي احتلها السوفيات ذات يوم من فوضى الحرب العالمية الثانية. ولم تكن موسكو ولا واشنطن قد اهتدتا حينها إلى سلاح الحرب المذهبية السنية ــ الشيعية. كان الأميركيون يكملون خطة تطويق الأخ الأكبر بالديمقراطيات المسيحية غرباً، وبالتيوقراطيات الإسلامية غرباً، وبسباق حرب التسلح كوكباً، وبمعركة انهيار أسعار النفط. كان المثلث الكاثوليكي الشهير، فويتيلا – فاليسا – بريجنسكي في ذروة نشاطه. وكان جيمي كارتر في أوج سعيه إلى تجديد ولايته، قبل هزيمته أمام الريغانية الآتية على أحصنة حرب النجوم في الفضاء الخارجي، وحربها لإسقاط النظام السوفياتي في الفضاء الأرضي...

وسط تلك المحطة الساخنة من فصول الحرب الباردة، صودف أن الألعاب الأولمبية كانت مقررة في موسكو. لم تتأخر واشنطن في اعتبارها مسرحاً آخر من مسارح الحرب. فبادرت إلى شنّ حملة مقاطعة للألعاب السوفياتية. وسرعان ما لبّت نداء المقاطعة 61 دولة. بعد أربعة أعوام كان الموعد الأولمبي في لوس أنجلوس. قرر السوفيات رد الصفعة بالهجوم بدل الانكفاء. هناك أيضاً، استمرت الحرب الباردة في الرياضة. حتى أن الممثل الأميركي السابق واللاحق رونالد ريغان، حرص على الاتصال هاتفياً بكل فرد من المنتخب الأميركي في لعبة الهوكي على الجليد، الذي فاز في نهائي المباراة الأولمبية على المنتخب السوفياتي. كأنها معركة مستعاضة عن حرب نووية ممنوعة. صار القرص الصغير بديلاً من الرؤوس الذرية. وصار الملعب المسوّر ميداناً متخيلاً لملعب العالم المتجلد تحت نيران الحرب الباردة. حتى أن المعلقين تذكروا مقولة الحرب الإسبانية. يوم قيل إن نظام فرانكو سقط فعلياً، بعد أول هزيمة لفريق ريال مدريد أمام غريمه الكاتالوني الانفصالي، برشلونة، بثلاثة أهداف مقابل لا شيء، على أرض العاصمة وفريقها الذهبي، وفي نهائي كأس الملك بالذات... هكذا، حلا لبعض المعلقين أن يكتبوا بعد 41 عاماً، أن نظام بريجنيف سقط على حلبة الجليد تلك، قبل عام من رحيل آخر اللينينيين، وقبل خمسة أعوام من سقوط جدار برلين. تماماً كما قيل قبلها بعقد ونيف، إن عظمة موسكو السوفياتية انتهت، حين تغلب الأميركي المجنون بوبي فيشر على الروسي بوريس سباسكي في بطولة العالم في الشطرنج سنة 1972... أسطورة لم ينسها الغرب، حتى بعد انشقاق فيشر وتحوله مرتداً أميركياً ممنوعاً من دخول بلاده!
في الأيام الأخيرة كان الحدث الأولمبي يدور في مدينة الشاطئ الفضي ريو دي جانيرو. الملعب هناك ليس محايداً أيضاً. ففي جوانبه أكثر من رمزية ساكنة. منها أنه أرض أميركية متمردة دوماً على نظام العام سام. ومنها أنها البلاد التي يشكل اسمها أول أحرف تكتل «بريكس» الذي حلم ذات يوم، وحلم معه العالم، بكسر أحادية واشنطن. وفي الريو أيضاً «فافيلا» الفقراء ومنظمات «ألترموندياليست» المناهضة للعولمة وتغوّل وول ستريت. وفيها كل ما ليس حيادياً حيال حكم «الإمبراطورية الجديدة». هكذا، وعلى هامش الحدث الأولمبي البرازيلي، اندلعت معركة أخرى من نوع الحرب الباردة. عنوانها ملاحقة الرياضيين الروس بتهمة تناولهم لمنشطات طبية محظورة أولمبياً. على مدى أسبوعين سبقا الحدث الذي يتطلع العالم إلى أبطاله، كانت قصة المنشطات الروسية بطلة الإعلام الأميركي من دون منازع. مقابلات مع أطباء واختصاصيين ورياضيين وإداريين... محورها مسألة واحدة: هل يمكن الجزم أو حتى الحكم المبرم، بأن روسيا هي «دولة راعية رسمياً للمنشطات المحظورة»؟ سؤال متمم للمطالعات الغربية السابقة حول الاتهامات الجاهزة للدول «المارقة» على واشنطن، بأنها «دول راعية للإرهاب». في أولمبياد ريو، عجزت الإمبراطورية عن ملاحقة عدوها الروسي بتهم العنف المنظم أو الثورة المصدرة أو التوسع التوتاليتاري، فلاحقتها بتهمة الرعاية الدولتية والرسمية للمنشطات الرياضية. هي الصورة النمطية نفسها. كما في هوليوود رامبو وروكي، ومن ثم هوليوود المافيا الروسية الحاضرة في كل استديوهات الشاطئ الأميركي الغربي، كذلك حرصت واشنطن على ملاحقة موسكو إلى أولمبياد ريو، بسلاح نمطي صورته مافيا محظورة، كاستمرار لسياسة الحروب، ولو تحت عنوان الحبوب.
وسط كل تلك المعمعة خلاصة واحدة تبدو منطقية، أن مماثلة الحرب، باردة أو ساخنة، لا تزال مستمرة. خصوصاً بعد عقدين على توهم البعض بنهاية التاريخ. ما يثبت مرة جديدة أن هيغل لم يفهمنا. أو أننا نحن لم نفهمه. أو أن التاريخ يستمد شرعية استدامته تحديداً من هذا اللافهم المتبادل، أو سوء الفهم والتفهم والتفاهم، بين كل شعوب الأرض.