لماذا عمد فريق السنيورة إلى تسريب روايته الخاصة حول اجتماع كتلة "المستقبل" النيابية يوم الاثنين الأسبق، عشية خلوة الحوار؟ سؤال بات يشكّل الجزء الثاني من إشكالية: ماذا يخطط السنيورة؟ لا بل صار شاغل معظم الوسط السياسي. لكن الأهم، أن السؤال نفسه صار هاجساً لدى فريقه، بعدما بلغت مخططاته أوضاع البيت الحريري الداخلي ومداولاته وتطوراته.

بدأت القصة مساء الأحد الفائت. يوم توزّع فريق السنيورة على وسائل الإعلام، هامسين في لوحات المفاتيح المتعطشة للخبر أن الرئيس سعد الحريري سأل نوابه حول فكرة ترشيح عون في اجتماعهم يوم الاثنين في الأول من آب. وأن المسألة طرحت على التصويت ونالت تأييد ثلاثة أصوات فقط. بعدها، تدخل السنيورة شخصياً ليتولى الرد مباشرة على استفسارات وسائل الإعلام نفسها، في محاولة للتأكيد من باب التوضيح. فيشرح برصانته المشهودة أن المسألة لم تكن تصويتاً، بل مناقشة إفرادية شملت آراء جميع الحاضرين. هكذا بمناورة تواصلية مكشوفة، سدّد السنيورة ضربته. لكن إلى من؟
الثابت والأكيد والنهائي أن ترشيح عون للرئاسة لا يتأثر برأي السنيورة. ولا هو خاضع لميول فريقه الخاص داخل تيار المستقبل. والثابت، أيضاً، أن الرئيس الحريري لم يطرح الموضوع على نوابه أصلاً، من باب تأييده عون ودعوته هؤلاء إلى تزكية رأيه الشخصي أو عدمه. والمسلّم به، بلا أدنى شك، أن ترشيح عون سيظل قائماً قبل الاجتماع وبعده، وقبل المداولة الزرقاء به وبعدها، وقبل مناورة السنيورة وبعدها. وهو ما يطرح سؤالاً إلزامياً: من يستهدف السنيورة إذن في خطوته تلك؟
الملاحظ في هذا السياق، أن رئيس حكومة عدوان تموز، حدد توقيت خطوته الأخيرة في شكل متزامن مع تطورات عدة لا يمكن إغفال دلالاتها. فهي جاءت أولاً مباشرة بعد فشل مناورة السنيورة الإلهائية في خلوة حوار عين التينة. أي بعد إخفاقه في تأجيل مسألة الاستحقاق الرئاسي. ثانياً، جاءت مناورة السنيورة هذه عشية الكلام المتنامي عن لقاء محتمل للرئيس سعد الحريري بالقيادة السعودية. وهو اللقاء الذي يأتي، بدوره، في توقيت خاص وهام جداً. ذلك أنه يعقب لقاء الملك السعودي يوم عيد الفطر مطلع تموز الماضي بالحريري. كما يأتي اللقاء المحتمل غداة قرار القيادة السعودية حل أزمة شركة "أوجيه" بشكل نهائي. ذلك أن السنيورة يدرك لا شك، أن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز أصدر قبل أيام توجيهاته الخطية، إلى وزارة العمل السعودية بإنهاء جميع الإشكالات القانونية والحياتية المرتبطة بالعمال والأجراء ممن أصابهم تعثر الشركة في رواتبهم أو ظروف إقامتهم. وأن الملك سلمان أبلغ المعنيين بصرف مبلغ مئة مليون ريال سعودي لتسوية تلك المشكلة كاملة، على أن تحسم طبعاً من مستحقات الشركات المتعثرة.
هكذا يفترض أن تكون الأولوية المالية قد أزيحت من على جدول الانتظار الحريري. وصار من الممكن الاعتقاد، على الأقل، أن أي لقاء سيحظى به الحريري مع القيادة السعودية، قد يكون مخصصاً للمسائل السياسية. ومنها طبعاً رئاسة الجمهورية اللبنانية. وبالتالي، صار ظاهراً في الأفق أن كلام الحريري مع المسؤولين السعوديين قد يتضمن العرض نفسه الذي طرحه الحريري أمام رئيس المجلس النيابي نبيه بري في لقائه الأخير. لجهة أن هذه هي معالم الأفق المسدود لبنانياً، وهذه هي مخاطره على لبنان وعلى دولة الطائف بالذات. ومن هنا طرح السؤال الذي طرحه زعيم "المستقبل" في عين التينة نفسها: ما العمل من هنا؟!
في هذا التوقيت بالذات جاءت تسريبة السنيورة الحريرية. كان الرجل يدرك بلا شك أن طرح زعيمه موضوع عون لم يكن من باب التصويت. ولا هو من زاوية بحثه عن غطاء لقرار يملكه وحده. بدليل خطوته السابقة يوم أقدم منفرداً على ترشيح سليملن فرنجيه. غير أن السنيورة التقط المغزى. وهو أن زعيمه يمهد لقراره. كما يمهد للقائه السعودي المحتمل. فبادر السنيورة إلى إعداد مخططه الإجهاضي على مرحلتين: أولاً مسرحية مجلس الشيوخ، في بعده التفريقي بين المسيحيين والشيعة والدروز. فشلت الخطوة الأولى، فسارع إلى توجيه ضربته الثانية إلى الحريري نفسه. عبر تنفيذه، إعلامياً على الأقل، لانقلاب أبيض داخل الفريق الأزرق. ولإظهار زعيم "المستقبل" وكأنه خسر الأكثرية النيابية داخل فريقه. لا بل أن أكثرية ساحقة باتت معارضة له. وبالتالي مناوئة لأي خطوة قد يقدم عليها، أكان في بيروت، أو في أي مدينة عربية أخرى.
هل نجح السنيورة في مناورته الثانية؟ وهل هي في الواقع الحريري والفعلي، مؤشر قوة أم مؤشر ضعف بالنسبة إلى طرفي الصراع داخل "المستقبل"؟ بالتأكيد لا يشكل خروج السنيورة إلى الإعلام، وخصوصاً بهذا الأسلوب، دليل قوة للرجل. ذلك أنه لو كان مطمئناً إلى موازين القوى داخل فريقه، كما على الصعيد اللبناني بكليته، لما ذهب في لعبته إلى المناورة المكشوفة تلك. مع ما قد يترتب عليها من تداعيات داخلية، قد ترتد سلباً عليه. فهل بلغ الرجل مرحلة المواجهة الشمشومية، على طريقة علي وعلى "أعدقائي"؟ سؤال سيظل معلقاً في انتظار كلمة الحريري.