64 زائراً لبنانياً لـ«العتبات المقدّسة» في إيران محتجزون في أحد الفنادق في مدينة مشهد. منذ ليل أول من أمس، يسري هذا الخبر، كسريان النار في الهشيم، على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وعدد من المجموعات على تطبيق «واتس آب». في تفاصيله، يفيد الخبر بأنّ «بعض الفنادق في مدينة مشهد، وكذلك الأمر في مدينة قم، تحتجر جوازات سفر 64 زائراً لبنانياً، بسبب عدم دفع المستحقات المستحقة لهم على ما يسمّى حملة الزهراء الطاهرة لصاحبها حسن فارس». وهذا ما أشار إليه بيان «تجمع حملات لبنان».

كان كافياً ورود هذا التفصيل، حتى تنهال التعليقات من كل حدب وصوب لرواية ما يحصل. فهنا، في الخبر الذي لا يحمل عناصر كافية لبناء قصّة، تكفّل المعلّقون لتركيب «رقعة البازل» قطعة قطعة لتكوين «خبرية»، لا تزال إلى الآن في طور التحقيق والتدقيق. ففي ظلّ «نتف» الأخبار التي تداولها الناس ــ ومعظمهم من أصحاب حملات الزيارة ــ بقي حسن فارس، صاحب حملة «الزهراء الطاهرة» هو العنصر الناقص. بقيت زاوية روايته فارغة.
تعددت الروايات. مع ذلك، يصحّ أن تكون البداية مع أحد الزوار، الذي احتجز جواز سفره قبل أن «يُحرّر» ويعود إلى لبنان. يقول هذا الأخير إنّه سمع عن حملة الزهراء التي تتقاضى من الراغبين في الزيارة إلى إيران والعراق أيضاً مبلغ 300 دولار أميركي. هذا المبلغ زهيد جداً بالمقارنة مع أسعار الحملات الباقية التي تتقاضى ما بين 800 و1000 دولار أميركي، أغري الرجل «فذهبت معهم وكانت معاملتهم جيدة»، إلا أنّه في النهاية جرى حجز «جوازات سفر حوالى 300 زائر وقد سمعنا أنّ الأمر يتعلق بمستحقات الحجوزات في الفنادق». وفي المحصلة «بعد احتجاز الجوازات والتواصل مع صاحب الحملة، أرسل الأخير مبلغاً من المال للوسيط (broker)، فأبقى على ستة رهائن فقط».
هذا ما يقوله الزائر. أما الروايات الأخرى، فجمعها «متشعّب»، ما بين عناصر عدة، منهم أصحاب الحملات التي شكّلت أمس تجمعاً لها لمتابعة الوضع مع الجهات المعنية بعدما قام الأخير بـ«المسّ» برزقهم، ومعهم «البروكر» الموجود في إيران والذي هو صلة الوصل ما بين صاحب الحملة والفنادق وحافلات المواصلات وكل ما له علاقة بتسيير شؤون الرحلة وبين الزوار المفترضين للرحلات المقبلة.

يبلغ الفارق ما بين حملة الزهراء والحملات الأخرى 500 دولار أميركي وهي قابلة للارتفاع

العنصر الأول. أصحاب الحملات. يروي محمود برجاوي (صاحب حملة المزار) حكاية حملة الزهراء «التي بدأت نشاطها قبل ستّة أشهر. يومها، بدأ الرجل بأسعار متدنية، حيث كانت تبلغ تكلفة الرحلة 300 دولار، علماً بأن بطاقة السفر إلى إيران تكلف وحدها 425 دولاراً للشخص. وعندما سألناه كيف يمكن أن يحصل ذلك، أجاب بأن هناك متبرّعاً بتكاليف الرحلة». يقول برجاوي «في البداية يمكن أن يفهم الأمر، إذ يمكن أن يتبرع أحدهم بتغطية تكاليف بعض الزوار لمرة أو مرتين أو ثلاث، ولكن ليس هذا ما حدث مع فارس حيث كان يسيّر رحلة كل أسبوعين بكلفة 300 دولار للشخص». هذا الأمر زرع الشك في نفوس أصحاب الحملات، متسائلين عمن هو المتبرّع الذي يمكن أن «يغطي تكاليف زوار كثر»، وخصوصاً أنّ «أسهم هذا الرجل في السوق تخطّت المعقول، وصار منافساً حقيقياً ويهدد لقمة عيش حوالى 100 مكتب، كما وضعنا في موقف حرج مع الزوار الذين يتساءلون عن الفارق الشاسع في التكاليف بيننا وبينه، وكأنهم يشعرون بأننا نسرقهم». يتحدث البرجاوي عن الرجل الذي صار «أخطبوطاً» في سوق الحملات، فبحسب رأيه «يعمل معه اليوم حوالى 40 حملة، كما يدفع أموالاً لحملات أخرى لجلبها إلى جانبه». يتابع البرجاوي أنّ هذا الرجل ليس وحده في «الكار»، فـ«المسؤول الأساس عما يجري هو علي ح. ح. والمسمى في أوساطنا الزئبق، إذ هو الذي عرّف حسن فارس إلى السوق، وهذا الأخير يتقاضى بدلات ما بين 500 و700 دولار، والذي لا يعتمد عليها أصلاً، إذ يمارس عمله بالتهريب ولديه علاقات مع الكل من العناصر الأمنيين في المطارات إلى شركات الطيران». يقول البرجاوي «أمس زرنا المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لطرح المشكلة، وقد أبلغنا الشيخ عبد الأمير قبلان بوجوب زيارة وزارة الخارجية حيث اجتمعنا بالمدير العام للمغتربين هيثم جمعة، الذي طلب منا ان نبلغ اصحاب الحملات بتقديم شكوى لدى السفارة اللبنانية كي تتواصل معنا من اجل عودة الزوار».
هذه هي رواية أصحاب الحملات. وهم بالنهاية أصحاب مصلحة. وهي تتقاطع إلى حدٍ ما مع رواية الوسطاء، ومنهم «علاء» الوسيط في ايران. يشير هذا الأخير إلى أنّه منذ «3 أسابيع، بدأت تظهر المشكلة، حيث بدأ أصحاب حملة الزهراء يتقاعسون عن ارسال المال لسد مستحقات الحجوزات، وقبل 4 أيام وصل المبلغ الى حدود 100 الف دولار للفنادق التي هددتنا بأنها ستحجز جوازات سفر الزوار إلى حين تسديد المبالغ المترتبة». تواصل علاء، المسمى «البروكر» مع أصحاب الحملة وأبلغهم بالأمر، «فاستجابوا لنا بعد جهد بدفع مبلغ 50 ألف دولار مقسّط على 3 دفعات». بهذا المبلغ «استطعنا تحرير كثيرين». ولكن، «أول من أمس، فوجئت بأن صاحب الحملة أرسل 150 زائراً، وعندما وصلوا سألت المسؤول عنهم ما اذا كان يملك المال للحجز، فأجابني بأن الشيخ حسن قال له إنه محجوز (…) هنا، الفنادق في مدينة قم لم تستطع أن تتحمل التكاليف وقد عمدت إلى حجز جوازات سفر 63 زائراً وقد غادروا أمس إلى مشهد من دون جوازاتهم». وثمة «بروكر» آخرون أيضاً كعلاء. هذه الأخبار دفعت من حجزوا مسبقاً مقاعدهم في حملة الزهراء «للأشهر المقبلة» إلى التجمّع أمام مركز الحملة للمطالبة بإعادة أموالهم وجوازات سفرهم، حيث تتحدّث بعض المصادر عن «حجز أكثر من ألفي جواز سفر».
في ظلّ هذا الكم من الحكايات، لم يصل الخبر اليقين من صاحب الحملة، الذي ضاع الكثيرون في مكان وجوده، ففي حين يشير أحد المتابعين للملف في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الى أن فارس «شمّع الخيط» وهرب إلى تركيا بالأموال التي استطاع جمعها، يقول آخرون إنه الآن في «عهدة حزب الله الذي يجري تحقيقاً معه لمعرفة قصته».
وبانتظار «وضوح الرؤية»، يشير بعض المتابعين للملف إلى أنّ الرجل «كان يعمل وفق طريقة غبية، حيث كان يسدّد بدلات الرحلات التي يسيّرها مما يدفعه الزوار المفترضون للرحلة المقبلة، وقد راكم الديون عليه للفنادق وشركات الطيران والوسطاء». أما السيناريو الآخر فهو «المخطط» الذي يتحدث عنه البعض الآخر من أنّه كان ينوي «أخذ الأموال، وخصوصاً أن هناك حجوزات لستة أشهر إلى الأمام وإعلان إفلاسه كما فعل صلاح عز الدين أو البرازيلي».
بعيداً عن تلك القصة التي لم تكتمل تفاصيلها إلى الآن، ثمة جملة من التساؤلات لا يمكن العبور فوقها، وهو كيف يمكن لصاحب حملة أن يتقاضى 300 دولار بدل تكاليف رحلة الزائر، فيما سعر بطاقة السفر وحدها تبلغ 425 دولاراً أميركياً إلى إيران؟ وماذا عن حكاية المتبرّع؟ من هو؟ ولماذا يتبرع بكل تلك المبالغ لهذه الحملة بالذات؟ ومسؤولية مَن الترخيص لهذه الحملات؟ والأهم من كل ذلك، من يبرّر هذا الفارق ما بين 300 دولار أميركي و1000 دولار أميركي؟ أيهما «الحرامي»؟